الكذبة الأولى مدرع    لجان حزبية مشتركة لإنجاح الانتخابات الرئاسية    اطراف سياسية متصارعة تشعل النار في مخيمات ساحة اعتصام كريتر    شيخ قبلي يدعو لإخضاع منصب المشيخ في اليمن للانتخابات    90 % من اليمنيات ضحايا التحرش... وصفحات الانترنت ملاذهن الأول    حجة : اتفاق لايقاف مواجهات مسلحة بين الاصلاح وجماعة الحوثي    إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة    الاصلاح يضغط على اللواء محسن لمؤاخاة هادي    من أجل رئيس وزراء لليمن- لا لحميد    نقابتهم صامته .. (مراسلون بلا حدود) تدين فتاوى تكفير صحفيين يمنيين   
الصفحة الرئيسية  |   من نـحـن  |   إرسال خبر  |   الاتصال بنا  |   مواقع صديقة  |  
 
 بحث متقدم
الأربعاء, 18-يونيو-2008


mnarat_01


أقام مركز منارات مساء امس الثلاثاء ندوة بعنوان ( قضايا الأمة العربية والإسلامية بين هزائم السياسة وانتصار المقاومة
) وتم مناقشة مجمل القضايا وكان في مقدمتها القضية الفلسطينية والتي كانت على النحو التالي.

نستطيع القول من منطلق الافتراض العلمي على الأقل بأن انتفاضة الشعب الفلسطيني بدءاً بأطفال الحجارة وصولاً إلى صواريخ القسام وكذا المقاومة اللبنانية بدءاً من تحرير الأرض عام 2000م وصولاً إلى الانتصار الحاسم على عدوان الدولة الصهيونية عام 2006م، هي المواجهات العسكرية الحقيقية الأولى بين العرب وإسرائيل، وهذا يعني - إن صحت مثل هذه الفرضية - أن كل المواجهات والحروب العسكرية الرسمية السابقة مع الصهاينة بدءاً من حرب 1948م مروراً بـ1956م و 1967م، وحتى 1973م، هي حروب غير حقيقية، أو مواجهات غير حقيقية على الأصح، ما يعني أننا أمام فرضية أخرى هي خلو تلك الحروب والمواجهات من المضمون الحقيقي لمعنى المواجهة، وهذا يعني - إن صحت مثل هذه الفرضية - أن تلك الحروب والمواجهات قد كانت أشبه ما تكون بالمسرحية والأفلام التراجيدية أو الأحداث الدراماتيكية التي قصد منها إبراز دولة الاحتلال الصهيوني باعتبارها القوة التي لا تقهر ولا تقاوم وإقناع الأمة بذلك من قبل حكامها قبل أعدائها أرادوا ذلك أم لم يريدوه، وكل ذلك هو ما نعرض له بالتفنيد والتحليل المعمق في محاولة لإثبات مدى صحة الفرضيات السابقة من عدمه ومن خلال البنود الآتية في هذه الدراسة.

أولاً: الأبعاد السياسية والاجتماعية لهزائم السياسة العربية وانتصارات العدو الإسرائيلي
نحن لا نحتاج إلى أدلة إثبات حقيقة أن كل تلك الحروب والمواجهات كانت حروب ومواجهات غير حقيقة أو مجرد مسرحيات مفتوحة أبطالها وضحاياها حقيقيون من السواد الأعظم من الناس الطيبين، أما كتابها ومخرجيها من الساسة المتاجرين والقادة الخونة أو المستهترين في أحسن الأحوال فممثلون بارعون، وأن ما نحتاج إليه هنا هو مجرد التذكير بمثل هذه الوقائع والأدلة المتعارف عليها من خلال الأتي:
1 – وعد بلفور بإعطاء من لا يملك لمن لا يستحق:
لسنا بحاجة إلى استعادة تفاصيل شريط نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948م التي أريد من خلالها حل عقدة ذنب الكراهية والتعذيب والقتل الجماعي لليهود في أوربا النازية باللجوء إلى حل هذه العقدة بنكبة شعب أخر هو الشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه من خلال وعد بلفور وحتى قيام الدولة العبرية وفشل المواجهة السياسية والعسكرية الرسمية عام 1948م، حيث لم يكن ذلك الوعد المشئوم بإعطاء من لا يملك لمن لا يستحق هدفاً بحد ذاته لحل عقدة ذنب بعقدة أعقد بقدر ما أنه مجرد حلقة جديدة من صراع تاريخي وحضاري طويل بين الغرب المعتدى والشرق المقاوم الصراع الذي لم تكن الحروب الصليبية أوله ولا وعد بلفور بالأمس وسقوط بغداد عاصمة الرشيد اليوم هو أخره.
وما يعنينا أكثر في هذه الدراسة هو التركيز على مسار إدارة الصراع العربي الإسرائيلي من منطلق تقرير حقيقة فشل وتراجع خط المواجهات السياسية والعسكرية الرسمية العربية مقابل فاعلية وتقدم خط المقاومات الشعبية سياسياً وعسكرياً.
فإذا ما بدأنا بالإشارة إلى الفشل المميت للمواجهة السياسية والعسكرية الرسمية عام 1948م على نحو ما سبق إيضاحه في البند السابق وما هو معروف ولا يحتاج لمزيد من التعريف فإن ما تلا تلك النكبة وعلى مدى ما يقرب من عشرين عاماً من عام 1948م وحتى عام 1965م عام انطلاقة حركة فتح المقاومة لا نستطيع أن نتذكر من وقائع الصراع على مدى ما يقرب من عقدين من الزمن شيء يذكر أكثر من السجل الحافل بالشجب والرفض والاستنكار، وهذا هو الخط الرسمي، أما ما بقي محفوراً في ذاكرة كل فلسطيني وكل عربي ومسلم وحياً على الأرض حتى اليوم فهي ثورة المقاومة الشعبية بقيادة عزالدين القسام التي بدأت ولم تمت أو تنسى حتى اليوم بل صارت صواريخ فلسطينية الصنع واللحم والدم في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
2 – مانح وعد بلفور هو قائد جيوش التحرير العربية عام 1948م
يكفي أن نذكر نحن حرب النكبة الأولى عام 1948م بأن الجيوش العربية والمقاتلين العرب قد زودوا بأسلحة ومعدات عسكرية فاسدة، وأن قائدهم هو الجنرال البريطاني جلوب باشا، وحكومته هي من أعطى وعد بلفور لليهود بالاستيطان في فلسطين، أما الزعيم السياسي والروحي الأعلى لجيوش العرب فهو الملك عبدالله حفيد آل البيت وزعيم الثورة العربية الكبرى كما يسمونها، والذي كان طبقاً لمذكرات هيكل المتلفزة أخيراً يدير معاركه الوهمية مع اليهود من جهة ويعطي كل أمواله ومدخراته للوكالة اليهودية لاستثمارها له من جهة أخرى؟ بل ولقد قاتل مع غيره من ساسة العرب ضد بقايا الخلافة العثمانية، من أجل الحلفاء تحت وهم أن يمنحوهم سلطة الدولة العربية الكبرى، فكانت النتيجة العكسية هي اتفاقية سايكس بيكو التي مزقت الوطن العربي ووعد بلفور الذي سلم فلسطين للصهاينة.
3 – من هزيمة القوة الصهيونية والاستعمار في عدوان 1956 إلى انتصارهم بالتآمر عام 1961م
وما أن بدأت الأمة تستفيق من صدمتها وتستعيد ذاكرتها الوطنية والقومية بثورة عبدالناصر في 23 يوليو 1952م وامتداداتها القوية في سوريا والعراق والتحريرية في الجزائر وغيرها من أقطار الوطن العربي حتى صوب التحالف الصهيوني الاستعماري ضربته العسكرية القاسية لمصر عبدالناصر فيما يعرف بالعدوان الثلاثي لإسرائيل وفرسنا وبريطانيا عما 1956م على أثر تأميم قناة السويس كجزء من عمليات استرداد الحقوق الوطنية والقومية لمصر والأمة العربية والإسلامية، وما إن تم التصدي لهذا العدوان وهزيمته بفضل صمود الشعب المصري وقيادته والأمة العربية والتحالف الدولي مع الإتحاد السوفيتي حتى لجأ التحالف الصهيوني  الاستعماري إلى التآمر على إسقاط أول مشروع قومي وحدوي حديث بين مصر وسوريا عام 1961م وتمكن ذلك التحالف من أن يحقق بالتآمر ما عجز عن تحقيقه بالعدوان، غير أن الأمة التي أصيبت بسقوط أول مشروع وحدوي في تاريخها الحديث لم تقبل بعد أو تسلم بانكسار مدها الوطني والقومي فانتصرت الثورة الجزائرية عام ........ وقامت ثورة اليمن عام 1962م واستكمل تحرر كل الأقطار العربية في الخليج وشمال و شرق أفريقيا من الهيمنة الاستعمارية والأنظمة التابعة لها.
4 – حرب 1967م بين الخيانة والاستهتار
وفي العام 1967م جاءت المواجهة أو الحرب الثالثة مع التحالف الصهيوني الاستعماري والذي جمع هذه المرة بين المؤامرة السياسية والمعركة العسكرية، حيث كانت قد اخترقت كل حلقات البنية السياسية والعسكرية لا لدولة المخابرات المصرية فحسب بل ولكل الأنظمة العربية المحيطة بإسرائيل، وصارت بعض رؤوس هذه الأنظمة السياسية في أحسن الأحوال كنظام عبدالناصر في وادي ومراكز القوى واتخاذ القرار المخترقة إسرائيلياً وأوربياً وأمريكياً في وادي أخر، في حين كان البعض الأخر من هذه الأنظمة يعيش في قلب المؤامرة مع إسرائيل كنظام الملك حسين في الأردن( )، بحيث لم تأت المعركة العسكرية إلا كمجرد مسرحية كل معديها ومخططيها ومخرجيها ممثلون جيدون، أما كل أبطالها وضحاياها فجنود ومواطنون حقيقيون، بدءاً من هزيمة جيوش ثلاث دول عربية وقتل أكثر من ثلاثين ألف جندي منهم، واحتلال أكثر من ثلاثمائة ألف كيلومتر من الأرض والبشر، في ثلاثة أيام وهي مساحة أكبر من خمسة أضعاف مساحة فلسطين المحتلة قبل ذلك، ولم يتبق أمام الدمار والاحتلال الإسرائيلي أي عوائق أو حدود يمكنه التوقف عندها إلا حدود عدم قدرته البشرية على استيعاب الأرض والبشر من وطن العرب وسكانه لينتهي المشهد الأخير من المسرحية بتحقيق أهداف رئيسية هي:
أ‌. كسر شوكة المد الوطني والقومي العربي المتنامي ورمزه الأول عبدالناصر مصر.
ب‌. إبراز دولة إسرائيل وقوتها العسكرية باعتبارها القوة التي لا تقهر والتي يقف من ورائها أقوى القوى الدولية في العالم في أوربا وأمريكا.
ت‌. إقناع الأمة العربية الإسلامية بالقبول بالأمر الواقع المتعلق بالاعتراف بإسرائيل والتعامل معها كأقوى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في المنطقة.
5 – حرب 1973م وهزيمة المنتصر
ولأن المؤامرات يمكن أن تنجح والجيوش أن تنهزم والأرض أن تحتل والأنظمة أن تسقط والأشخاص والرموز أن يموتوا أو يقتلوا في هكذا صراعات ومعارك وحروب، إلا أن الذي غاب عن كل المؤلفين والمنتجين والمخرجين لمسرحية حرب 1967م هو أن الأمم والشعوب غير قابلة للذوبان تحت وطأة المؤامرات الداخلية والخارجية أو هزائم الحروب مهما بلغت قسوتها ومراراتها، فكما أن مسرحية حرب 1948م ونكبتها الأولى قد استنفرت ضمير الأمة وأيقضت جذوة روحها الوطنية والقومية والتحررية على نحو ما سبقت الإشارة، فإن نكسة 1967م وإن كانت قد نالت من تلك الروح الوطنية والقومية ما لم ينله غيرها إلا أنها قد حركت بعداً أخر لا يقل أهمية عن البعد الوطني والقومي التحرري، إن لم يكن أكثر أهمية وحسماً في سياق الصراع العربي الإسرائيلي والنضال الوطني بصفة عامة، وهو البعد الديني الإسلامي الذي تفجرت معالمه في كل مكان بدءاً من حماس في فلسطين وأمل وحزب الله في لبنان والجهاد في مصر وجبهة الإنقاذ في الجزائر وحتى طالبان والقاعدة بخيرها وشرها في أفغانستان والعالم، بل وقبل كل ذلك وبعده حركة الأخوان المسلمين على امتداد الوطن العربي، ليس ضد اليهود وإسرائيل ومن يقف ورائهما من قوى الاستعمار والاستكبار فحسب بل وضد الأنظمة السياسية المتواطئة معهم، يضاف إلى ذلك أن كل ما كانت إسرائيل قد استولت عليه من الأرض والبشر قد مثل بالنسبة لها عبئاً يتجاوز حدود طاقاتها الجغرافية والديمغرافية أكثر مما يشكله من خسارة على أصحاب الأرض، أنظمة وشعوباً على السواء، وكانت حاجتها لإزالة عبء هذه الأرض والبشر ربما أكثر إلحاحاً من حاجة أصحابها لتحريرها من الحكام العرب.
وسط هذه المتغيرات التي تبلورت على مدى سبع سنوات من 1967م إلى 1973م كان لابد من مسرحية جديدة تنزع عن كاهل إسرائيل عبئها الثقيل أولاً، وترد بعض ما وجه النظام السياسي العربي الممرغ بأوحال النكسة ثانياً، ودون أن يخل ذلك قط بأي من الأهداف والقواعد الثلاث الممثلة بالمضي في نسف ما تبقى من قضية المد الوطني والقومي الوحدودي للأمة العربية من جهة، وتكريس وجود إسرائيل كقوة لا تقهرمن جهة ثانية، والدخول المباشر في تطبيق الأمر الواقع في الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها من جهة ثالثة، هكذا تم تأليف وتخطيط وإنتاج وإخراج مسرحية حرب 1973م وانتقل الدور المباشر للبطولة هذه المرة من ملك الأردن القديم والجديد حسين وآبائه وأجداده إلى فرعون مصر السادات، فأذن لجيش مصر البطل أن يواجه العدو الرابض على طول خط بارليف الشهير على امتداد قناة السويس فكان كفء لهذه المواجهة، الشجاعة وخلال ساعات حطم أسطوة خط بارليف مندفعاً باتجاه سيناء شرقاً، ولكن المخرج كان قد حدد الكيلو 10 في سينا هو نهاية ما يمكن أن يصل إليه جيش مصر والتزم به ممثل الانتصار المهزوم السادات، ثم تستمر فصول المسرحية بدءاً بفتح ثغرة الدفرسوار للجيش الإسرائيلي في اتجاه الضفة الغربية للقناة وعزل الجيش الثالث في سيناء وانتهاء بالتمركز عند الكيلو 101 من القاهرة، لينتهي المشهد الأخير للمسرحية بعد الفعل التاريخي العظيم لعبور جيش مصر وتحطيمه لخط بارليف في الضفة الشرقية من القناة، مقابل تواجده ومحاصرته عند الكيلو 10 في عمق سيناء وعبور الجيش الإسرائيلي إلى الضفة الغربية والاندفاع لأكثر من 150 كيلومتر في اتجاه القاهرة، والتي لم يعد يفصلها عن الجيش الإسرائيلي سوى 99 كيلومتر، والذي لم يكن يجد أمامه من موانع في المضي إلى ما هو أبعد من ذلك إلا خوفه من الضياع بين الملايين من فلاحي دلتا وادي النيل هناك حيث ضاع نابيلون وكرومر ورتشارد قلب الأسد وكل الغزاة من قبلهم لمصر الكنانة ليخرج السادات بعد ذلك معلنا انتصار الهزيمة باسترداد عشرة كيلو شرق القناة مقابل ضياع أكثر من 150 كيلو في غربها.
وإذا ما تجاوزنا تفاصيل أدوار الخادعين وعلى رأسهم السادات والمخدوعين والضحايا وفي مقدمتهم جيش مصر وقادته الأبطال وعلى رأسهم أركان حربه سعد الدين الشاذلي، والذي فرض عليه التوقف والاستسلام عند الكيلو عشرة ومنعوا من حق الاستمرار في مقاتلة العدو وتحرير الأرض باعتبار أن كل ذلك قد صار من البديهيات العامة، لنصل إلى ما هو الأهم من ذلك وهي المحصلة اللاحقة من أهداف وثمار مسرحية انتصار الهزيمة والتي تؤكد أن ساستنا وأعداؤنا معاً حرب علينا وعلى قضيتنا لا لنا ومن أجلنا جميعا كافة كما هو المفترض بدليل الآتي:
أ – أن مصر السادات بعد حرب أكتوبر 1973م تحت مظلة أكذوبة النصر قد باشر التنصل من كل الصلات والروابط الوطنية والقومية للشعب المصري مع الأمة العربية من جهة والمعسكر التقدمي العالمي وعلى رأسه الإتحاد السوفيتي وقتها من جهة أخرى، وخلع بدلاً من ذلك كل الأبواب والنوافذ الموصدة أمام النفوذ والمطامع الاستعمارية القديمة والإمبريالية الأمريكية الجديدة، وهرول على حين غفلة إلى الكنيست لتقديم مراسم الولاء والطاعة، ثم إلى كامب ديفيد لتوقيع معاهدة الاستسلام وليس السلام كما يسمونها.
ب – أما قبل كل هذا وذاك والأهم منه فإزالة أعباء إدارة وتأمين ما يزيد على ثلاثة أضعاف ما تحتله دولة إسرائيل من فلسطين من صحراء سينا تحت واقع دولة الاحتلال وإيكال ذلك لإدارة الشرطة المصرية تحت مسمى التحرير المحكوم برقابة أعين وفوهات مدافع الدبابات والطائرات الإسرائيلية مقابل عصي وهروات الشرطة المصرية، وهو ما فعله النظام الأردني المتحالف قديماً والمعاهد والمطبع حديثاً من خلال اتفاقية وادي عربة الاستسلامية رغم إرادة الشعب والأمة.
ولكن هل كل ما يتمنى المرء يدركه حتى من الشرور والمخازي ولم تعد الرياح تجري بما لا تشتهي سفن الغدر والخيانة؟ لا وألف لا، فروح الأمة الوطنية وصحوتها الإسلامية صارت أكبر، وعودها أقوى من سطوة العدوان ونذالة ساسة الجبن والعمالة، وما المصير الذي انتهى به السادات نتيجة أفعاله النكراء إلا كرد فعل من نفس النوع والبادي أظلم والبقية آتية "وكل يد بما كسبت رهينة".

ثانياً: من هزائم السلطة إلى انتصارات المقاومة في فلسطين
مدخل عام:

• انتصار المقاومة صار مشروط بغياب السلطة أو بالرغم منها
إذا كانت تلك هي فلسفة وإدارة سلطة النظام العربي للصراع مع العدو الإسرائيلي على مدى ما يربو على ثلاثة أرباع القرن من أربعينيات القرن المنصرم وحتى الآن والتي راوحت بين الخيانة والهزيمة من جهة والخوف والمساومة الرخيصة من جهة أخرى، فماذا عن فلسفة ومنطق المقاومة الشعبية غير الرسمية في إدارة هذا الصراع؟
إذا كنا قد برهنا على فرضية انهزام النظام السياسي العربي من نفسه قبل أعدائه، فهل نستطيع البرهنة على مصداقية انتصار المقاومة غير الرسمية في مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي والإمبريالي العالمي؟ نعم .. وهذا ما لن نتحدث عنه من فراغ أو في فراع بل ما تقرره الوقائع والمتغيرات التاريخية والسياسية العسكرية بدءاً من عزالدين القسام إلى ياسر عرفات وأحمد ياسين وحتى خالد مشعل في فلسطين وحسن نصر الله في لبنان والمقاومة الشريفة في العراق والشيشان وأفغانستان وانتهاء بالمحاكم الإسلامية في الصومال وجهاد المسلمين ضد الصهيونية والإمبريالية في كل مكان.
ولكن مع غياب النظام الرسمي حيناً وبالرغم منه أحياناً أخرى أما بقناعته ودعمه فلا، لدرجة أن غياب النظام السياسي الرسمي أو ضعفه أو هزيمته من الخارج قد صار أشبه ما يكون بالمقدمة أو الشرط المسبق لانتصار قضايا الأمة على الصعيد القطري والقومي كما هو حادث في فلسطين ولبنان والعراق والصومال، وكأن النظم السياسية التقليدية العربية بالجملة - إلا من رحم ربي- قد صارت هي العائق أمام انتصار قضايا الأمة وشعوبها أكثر من أعدائها، بل وقد لا يختلف البعض منهم عن أعدائها مع الأسف الشديد.
• حيثما تغيب السلطة تنتصر المقاومة والعكس صحيح
والسؤال المهم والصعب هو لماذا تقدم خط المقاومة الفلسطينية وصارت كل خطوط السياسية الفلسطينية والعربية تتخبط خلفه في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي؟ ولماذا انتصرت كل مقاومات الشعب اللبناني منذ غزو التحالف العسكري الإمبريالي عام 1982م والاجتياح الصهيوني في نفس العام، وخروجه مهزوماً عام 2000م ثم العدوان الهمجي عام 2006؟ ولماذا انتصر الشعب الصومالي على تحالف الغزو العسكري الأمريكي              عام 1992م وينتصر اليوم ضد أمراء الحرب في الداخل والتآمر الإمبريالي من الخارج ولماذا تنتصر المقاومة العراقية البطلة اليوم ضد الغزو الأمريكي الذي عجز النظام السياسي العربي عن صده داخل وخارج العراق، بل أعانه ويسر مهمته؟؟؟
والرد الأصعب على مثل هذه التساؤلات هو ببساطة ومن وجهة نظرنا على الأقل أن كل انتصارات المقاومة هذه وتلك قد تمت وتتم بسبب غياب النظام الرسمي أو ضعفه أو بالرغم منه، وهكذا أصبحت الانتصارات الوطنية والقومية شبه مشروطة بغياب النظام الرسمي أو ضعفه أو بالرغم منه على الأقل، وهذا ما يؤكد انتصار المد المقاوم لحماس فلسطين ولبنان حزب الله، وعراق المقاومة الشريفة ضد الاحتلال وليس قتلة الأبرياء بالجملة، وأخيراً صومال المحاكم الإسلامية، وذلك مقابل ارتباط الهزائم الوطنية والقومية النكراء بتضخم وتورم الأنظمة الرسمية وعنجهيتها على الداخل ومذلتها للخارج، بل الأدهى والأمر من كل هذا وذاك أنها تقوم بدور راس الحربة القاتل ومخلب الوحش المفترس ضد كل أشكال المقاومة الوطنية والقومية والإسلامية لا من أجل نفوذهم ومصالحهم غير المشروعة فحسب -وليت الأمر كان كذلك-، بل ومن أجل أمن ومصالح حلفائهم من عتاة الصهاينة والإمبرياليين وبأوامر وقرارات منهم باسم ما يعرف اليوم بالتحالف الدولي ضد الإرهاب والتطرف، والذي لا يعني فيما يعني شيئاً أكثر من أمن إسرائيل وتصعيد الكراهية ضد العروبة والإسلام والمسلمين والمزيد من تأمين وتجذير المصالح الاستعمارية القديمة والإمبريالية الأمريكية الجديدة في وطننا العربي، ثم ما تبقى بعد ذلك من تامين فتاة المنافع والمصالح الشخصية والعائلية لهذه الأنظمة العربية المسخ بالمطلق إلا من رحم ربى وإلى هذا الحد أو ذاك.
• الأبعاد السياسية والاجتماعية لانتصارات المقاومة
والسؤال الثاني الأهم والأكثر أهمية هو: ما هي أبعاد ودلالات انتصارات هذه المقاومات الوطنية والقومية والإسلامية على صعيد الوطن العربي والدولي؟ ما هي دوافعها ومقوماتها وإمكانياتها وآليات عملها وعوامل الحسم في انتصاراتها السياسية والعسكرية التي أربكت كل حسابات أعدائها وأقضت مضاجعهم وأدهشت كل توقعات أصدقائها وأنصارها قبل أعدائها سلماً وحرباً؟؟ وحتى نوفي هذه القضية الهامة حقها سوف نتناولها من خلال ذكر الوقائع ثم تحليل أبعاد ودلالات كل منها في كل من فلسطين ولبنان والعراق والصومال وبشيء من التحليل والتفصيل كل على حده وعلى النحو الآتي:
1- المقاومة الفلسطينية:
أ. من فتح المقاومة إلى فتح المساومة
بعد 1956م وما بعد إنطلاقة حركة فتح الانتفاضة والمقاومة تحديداً فإن القضية الفلسطينية وبفضل هذه الحركة المقاومة كنضال سياسي وعسكري قد استعادت حيويتها على الأرض فلسطينياً وعربياً وعالمياً بقيادة المناضل التاريخي الجسور ياسر عرفات كخط سياسي وشعبي مقاوم، كما استعاد الخط الرسمي العربي والفلسطيني بعض حيويته أيضاً بفضل المقاومة الفتحاوية أيضاً على الصعيد الوطني الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير القديمة الجديدة ذات الشكل الكبير والمضمون الأقل من القليل كنسخة طبق الأصل من النظام العربي الرسمي حتى اليوم، وعلى الصعيد القومي العربي بكثير من الأقوال وقليل من الأفعال، وإذا كان أفضل ما في حصيلة الخط الرسمي العربي من 1956م وحتى أكتوبر 1973م هو تجسيد الوعي بالقضية على المستوى القومي والدولي والمقاطعة والممانعة القوية ضد مساومات التفريط بأي حق وطني أو قومي في القضية فإن أسوأ ما في هذه الحصيلة هو التواطؤ المباشر وغير المباشر في المواجهات وحروب الهزائم العسكرية النكراء كما سبق وأن حللنا، أما حصيلة خط المقاومة الفتحاوية فثبات على الأرض والمبدأ وتقدم مطرد في القول والعمل إلى حد انتزاع الاعتراف الدولي العام بكامل حقوق الشعب الفلسطيني وبدء تجسيدها على أرض الواقع حتى أوسلو عام 1993م حينما تحولت فتح المقاومة والانتفاضة إلى فتح السلطة والمساومة.
أما خط الخطاب السياسي العربي الرسمي عموماً فقد تحول انطلاقاً من كامب ديفيد 1973م  وحتى الآن وبمفارقات دراماتيكية عجيبة، تحول من موقف التحريض القومي ضد الاحتلال الإسرائيلي والممانعة والرفض لكل تمدداته وأطماعه بقيادة عبدالناصر رغم الفشل والهزائم العسكرية إلى الاعتراف به وتمدداته على الأرض والعرض والكرامة العربية في زمن الانبطاح الساداتي الرديء، بل ودعوة البقية إلى التطبيع معه والتطبع بطبعه إن أمكن، والذين تزاحموا على شباك بيع بطاقات التطبيع من موريتانيا إلى بيروت، ولم يكن خط المقاومة الفتحاوية بأقل دراماتيكية من خط النظام السياسي العربي الرسمي والذي هب مهرولاً مرة إلى أسلوا سراً وأكثر من مرة إلى البيت الأبيض علناً، منضماً بذلك إلى موكب النظام العربي الرسمي المعاهد والمطبع سراً وعلانية جرياً وراء سراب السلام والدولة الفلسطينية القابلة للعيش، الدولة التي تنازل من أجلها ياسر عرفات فتح عن قيادة شعبه ومكانته العربية والعالمية كمقاوم ليصبح سجين أسوار المقاطعة الضيقة في رام الله بلا شعب وبلا مكانة وبلا دولة حتى مات مسموماً لأنه رفض من طيب معدنه الوطني وبعد أن أدرك الحقيقة المرة أن يقول الكلمة الأخيرة في كامب ديفيد الثانية لصالح العدو الصهيوني ويوقع عليها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك كما فعل السادات مع بيجن من قبل بعد أن أدرك حقيقة وهم الدولة الفلسطينية المنتظرة بقلب أبيض من البيت الأسود في واشنطن، وفضل الموت دون ذلك وكان له ما أراد وللعدو منه ما يكره، وصارت فتح بعد عرفات تتخبط خبط عشواء بين أوهام الدولة والسلطة الرسمية المنتظرة كمنحة أو هبة من تل أبيب وواشنطن، وواقع المقاومة السياسية والعسكرية بآفاقها الجديدة والتي هوت بفتح إلى حيث أودت بنفسها هي إليه سياسياً وعسكرياً، ما لم تنقذ نفسها اليوم وفي اللحظة الأخيرة وقبل فوات الأوان، وأن تراهن على شعبها وأمتها العربية الإسلامية بدلاً من أعدائها لأن العدو يسلم بالحق مكرها            ولا يعطيه هبة ومنحة.
ب. من فتح التاريخ إلى حماس المستقبل
لكن منطق الزمن ووجدان الأمة لم يتوقف عند زمن ومنطق المطبعين في النظام العربي الرسمي بما فيه مجموعة القطط السمينة في مقر المقاطعة في رام الله قبل وبعد عرفات من المنتفعين بفتات الموائد الأمريكية والأوربية والعربية المترفة، حيث ما كادت تشيخ فتح الانتفاضة والمقاومة وتنحرف بها مجموعة القطط السمينة بعد عرفات حتى كانت الأرض الفلسطينية الولود قد أنجبت لخط الصمود والمقاومة من هم أشد بأساً وأصلب عوداً وأنطق قلباً ويداً من فصائل المقاومة المختلفة وعلى رأسها حماس، حماس التي قيل عنها عند نشأتها قبل أقل من عشرين عاماً بأنها صنيعة القوى الصهيونية والرجعية والإمبريالية اليمينية على اختلاف أماكنها ومسمياتها في مواجهة المد اليساري التقدمي المتصاعد لفتح والديمقراطية والشعبية وقتها، على غرار احتشاد كل القوى اليمينية مادياً ومعنوياً وراء المقاومة الإسلامية وبن لادن في المقدمة ضد السلطة اليسارية لنجيب الله في أفغانستان والنفوذ السيوفيتي وقتها هناك، حيث كان الشعار المطروح وقتها في إدارة الصراع المحلي والدولي هو "ما لماركس إلا محمد" من اليمن إلى أفغانستان مروراً بفلسطين وباكستان وحتى الجزائر، مع حرص المنتجين والمخرجين لتلك المسرحية الأكذوبة من الرياض إلى قاهرة السادات وحتى البيت الأبيض على انتقاء أسوأ ما ألصق كذباً بالدين الإسلامي من تعصب وتطرف كدين بن لادن في أفغانستان، وأسوأ ما في اليسار والاشتراكية كبول بوت في كمبوديا، بدلاً من إسلام مهاتير محمد في ماليزيا واشتراكية كاسترو في كوبا، ولكن رياح التاريخ وقوانينه غالباً ما تجري بما لا تشتهي نفوس العابثين والمصرين على السير في الاتجاه المعاكس.
وإذا كان التحليل السابق يصدق إلى حد كبير على خط بن لادن الذي تحول من المجاهد الأكبر في قاموس الخطاب السياسي الأمريكي في الثمانينيات إلى الإرهابي الأكبر في نهاية الألفية السابقة وبداية الألفية الجديدة وحتى الآن، إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لحماس لا من حيث النشأة ولا من حيث النتيجة، فحماس تستمد جذورها من أفضل ما في أقدم وأعرق حركة سياسية ودينية إسلامية في العصر الحديث وهي حركة الأخوان المسلمين، إن صحت مقولة هذا الافتراض، وتتصدى لاعتى عدوان وأثقل مظلمة وقعت على شعبها الفلسطيني الصامد، ولم تكن يوماً طوال عمرها الفتي الذي لم يتجاوز بعد عقده الثاني باحثة عن سلطة بالمؤامرة أو التواطؤ أو محاربة لحساب أحد بالوكالة، إنها وإن كان خطها الوطني الإسلامي النظيف قد بدأ مختلفاً عن خط فتح الوطني والقومي الشريف فإن هذا الاختلاف والتنوع على الأصح قد كمل بعضه البعض وأتت حماس بما كانت تفتقر إليه فتح وتعلمت من خبرة فتح ونضالها الوطني المديد ما جهلته معظم الحركات الإسلامية المتطرفة والمتهورة الحمقى على امتداد الساحة العربية والإسلامية، بدأً بسوريا حافظ الأسد، ومصر الأسلامبولي، وطالبان أفغانستان والقاعدة، وحتى زرقاوي العراق، وحوثي صعدة اليمن.
حماس إذن بالدرجة الأولى وكل اشكال المقاومة الوطنية الفلسطينية هي خلاصة تجربتنا الوطنية والقومية ورمز تاريخنا النضالي وحاضرنا الممانع والمقام ومستقبلنا المنتصر بإذن الله، حماس النظافة والإيمان والمقاومة التي حققت على أرض فلسطين في أقل من عقدين عسكرياً وسياسياً ما عجز عنه غيرها داخل وخارج الوطن الفلسطيني من عشرات الدول العربية وملايين البشر المغلوبين على أمرهم فيها، وتجاوز خط الممانعة والمقاومة بفضل حماس وكل فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى كل خطوط المواجهة الرسمية الفلسطينية والعربية معاً مع العدو الصهيوني داخل وخارج فلسطين.
ج. حماس المقاومة بين مطرقة العدو الصهيوني وسندان النظام العربي
لكن السؤال الأخير والأهم في موضوعنا هذا المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي بصفة عامة والمقاومة الفلسطينية خاصة، هو ماذا عن موقف خط المواجهة الرسمي للنظام العربي من خط المقاومة وحماس تحديداً، بدءاً من المراهنين على سلام التفاوض بين الذئب والحمل، مروراً بالمطبعين بلا ثمن في السر والعلن، وانتهاء بالمتآمرين بلا خجل؟ ولا ندري هل هو من حسن الحظ أو من سوءه أن الرد على مثل هذا التساؤل قد صار من البساطة والوضوح المخزي ما جعل من النظام العربي الرسمي أضحوكة العدو قبل الصديق وشر البلية ما يضحك، فإذا ما تجاوزنا جزئيات الإجابة الأولى عن أن حماس والمقاومة الفلسطينية عموماً ترفض الاعتراف بإسرائيل أو التطبيع معها والنظام العربي الرسمي يصر على الاعتراف والتطبيع بدون مقابل يذكر بدءاً من كامب ديفيد السادات ووادي عربة الأردن، وحتى أوسلوا عرفات، وأخيراً قمة بيروت المبجلة، وفي حين أن شكلياً على الأقل المقاومة تقاتل الاحتلال على الأرض فإن الأخطر هو أن النظام السياسي العربي قد تجاوز قاموس خطاب الشجب والإدانة القديم للعدو الصهيوني إلى إدانة المقاومة وحصارها وتجويعها، بدءاً من مقاطعة أبو مازن والقطط السمينة من حوله في رام الله، مروراً بزريبة البقر الضاحكة في القاهرة، وحتى حفدة الأنجلوسكسون في عمان، وقبل أن يدينها ويتوعدوها راعي البقر والخنازير والقطط الأكبر في البيت الأسود في واشنطن أو الراعي الأصغر في تل أبيب، أما الأدهى والأمر من كل هذا وذاك فهو أن يفوز خط المقاومة حماس بثقة الشعب الفلسطيني الصابر والمجاهد في أكثر الانتخابات الوطنية والديمقراطية نظافة وشفافية على المستوى الدولي وبإقرار العدو قبل الصديق فيبادر خط النظام السياسي العربي الرسمي في المقابل بتقديم "التهاني" العلنية بضرورة عدم تمكين حماس من تشكيل الحكومة ما لم تعترف بإسرائيل والاعتراف باعترافات النظام العربي الرسمي بإسرائيل بدءاً من معاهدات الاستسلام في كامب ديفيد بإمريكا ووادي عربة في الأردن مروراً بأوسلوا وحتى قمة بيروت عام 2000م وإذا لم تقبل حماس بذلك فإن المقاطعة السياسية والحصار الاقتصادي والعسكري والتجويع للشعب الفلسطيني عقوبة له على انتخاب حماس هو الرد الأولي على ذلك، بل ولقد باشر النظام العربي الرسمي المقاطعة والحصار والتجويع قبل أن يطالب حكومة حماس بالاعتراف والتطبيع، هذا هو ما صار يمارس علناً بدءاً من رام الله مروراً بعمان والقاهرة فالرياض وحتى تل أبيب وواشنطن حيث يصنع القرار أصلاً، أما ما لم يكن معلناً فهو الأخطر على الإطلاق وهو ما يتعلق بإطلاق يد إسرائيل وألتها العسكرية الهائلة لتصفية حماس والمقاومة الفلسطينية عموماً بالإبادة المنظمة للبشر والشجر والحجر تحت سمع وبصر النظام العربي الرسمي إن لم يكن ذلك بمباركته غير المعلنة حتى تخلصهم إسرائيل من هذا الصوت والفعل المقلق بالنسبة لهم والخطر المحدق بالنسبة لها، وعلى نحو ما فعلوا ويفعلون مع المقاومة اللبنانية في حربها السادسة والمنتصرة على اسرائيل في يوليو أغسطس 2006م وهو ما سنتناوله بتحليل            أعمق في البند التالي من هذه الدراسة، فهل سمعتهم أسوأ أو رأيتم أبشع أو شممتهم رائحة أقذر أو علمتم بانحطاط أكثر من هذا الذي حفلت به جرائم وفضائح خط هوان النظام الرسمي العربي الذي صار عدواً لنفسه                 وأمته أكثر من العدو نفسه!!
ثانياً: لبنان من حلم الدولة الصليبية إلى حقيقة انتصار الهوية والمقاومة
1 - جذور وهم  الشروع الصليبي
نعم لبنان المساحة الجغرافية الأصغر في خارطة تقسيم الوطن العربي التي قررها مؤتمر "سايكس بيكو" وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا، الاستعماري بعد الحرب العالمية الثانية الذي أريد للبنان وفق ذلك التقسيم المشئوم أن يكون بمثابة نقطة الضعف الثانية بجانب وعد بلفور ومشروع الدولة الصهيونية، لا كمجرد التزام بتنفيذ خارطة "سايكس بيكو" في مشرق الوطن وتكريس الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية للاستعمار الجديد فحسب بل ونقطة انطلاق لتغيير هوية الأرض في لبنان والإنسان العربي بسلخ هذه البقعة عن جذورها المرتبطة بأعماق الوطن العربي والأمة العربية والإسلامية، فإذا كان وعد بلفور قد حقق وهم الحلم بدولة صهيونية في قلب الأمة في فلسطين ولو إلى حين، فإن الحلم بإقامة دولة صليبية عنصرية في الشرق قد كان هو الأقدم وربما الأهم حتى الآن، فإذا كان المشروع الاستعماري البريطاني القديم قد نجح في إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين في القرن المنصرم باسم "حكمة موسى" عليه السلام فما المانع من أن تقيم الإمبريالية العالمية بقيادة أمريكا الكيان الصليبي العنصري في لبنان باسم "محبة المسيح" عليه السلام والبقية تأتي، (مصر القبطية والعراق وسوريا الكردية والمغرب الأمازيغي ...الخ) والوسيلة الأولى لتحقيق ذلك هو تأليب العالم المسيحي واليهودي كذباً والاستعماري الإمبريالي حقيقة في أوروبا الاستعمارية القديمة وأمريكا الإمبريالية الحديثة تحديداً ضد محمد ودين محمد وأهله باعتباره في نظرهم –كذباً- هو دين الإرهاب والتخلف، وباعتبار الإسلام اليوم حقيقة هو حجر العثرة والعائق المتبقي الوحيد – بعد أن اخترقت السياسة والاقتصاد - أمام المشروع الإمبريالي الأمريكي الصهيوني الجديد للشرق الجديد أو الكبير الذي ما فتئ قتلة الأنبياء في تل أبيب ورعاة البقر والخنازير في البيت الأسود يبشرن به ليل نهار.
أما ما غاب عن ذاكرة كاوبوى البيت الأسود في واشنطن وقراصنة القتل في تل أبيب من غبائهم أن موسى وعيسى هم أنبياؤنا حكمة ومحبة ومحمد كذلك نبينا ورسولنا إيماناً وتحرراً وعدالة، وأنهم مع غيرهم من أنبياء الله ورسله ورسالاته جميعاً قد خرجوا من حرم أرض المحبة والسلام الطيبة المقدسة من جزيرة العرب الممتدة بين مثلث القدس سمالاً ومكة وسيناء جنوباً، ومنه إلى أنحاء العالم والبشرية كلها، رسالة حكمة ومحبة وحرية وعدالة، ولم يخرج أي منهم قرصاناً من بلاد "الأنجلوسكسون" ويذهبون إلى النصف الأخر من الكرة الأرضية في الأمريكتين ليبيدوا أمماً وحضارات هناك بأكملها من على وجه الأرض، ويعود من أقصى الغرب بعد ما يقرب من ماتين سنة من ذهابه إلى أقصى الشرق على سفنه الحربية ومن الطائرات الحربية المحملة بقنابل الموت الجماعي للإنسان والمكان في هيروشيما ونجزاكي ثم في فيتنام وأفغانستان، وأخيراً فرق الموت والتعذيب في العراق وإقامة مركز القرصنة البشرية العالمي في جوانتنامو، أما أحدث نبوات ورسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان من البيت الأسود إلى العالم فهي القنابل الذكية إلى أطفال قانا ومرواحين والضاحية الجنوبية لبيروت، وكل بشر وشجر وأحجار لبنان بحثاً عن وهم الطريق لفتح الشرق وهزيمة الأمة أمام قرصان الإدارة الأمريكية في البيت الأسود وأحفاد قتلة الأنبياء قديماً ورسل خراب ودمار العالم حديثاً، غير أن بيروت ولبنان المقاومة تأبى إلا أن تكون وهم الهزيمة أمام العدوان وحقيقة الانتصار للمقاومة في وجهة.
2 - وقائع العدوان وانتصار المقاومة اللبنانية
لن نذهب في رصد حلقات ووقائع العدوان على الأمة ممثلة بما جرى ويجري للبنان إلى أبعد من إقدام الإدارة الإستعمارية الفرنسية للبنان قبل رحيلها في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي بتأسيس سلطة سياسية وإدارة مدنية قائمة على أساس التفرقة الطائفية المفتعلة من رأس الدولة حتى أبسط وظيفة إدارية لأبسط موظف في أصغر مصلحة وليس بين المسلمين والمسيحيين فحسب بل بين المسلمين والمسلمين أنفسهم (سنة، شيعة، دروز..الخ) و المسيحيين والمسيحيين (مارونيين، وأرثوزكس، وكاثوليك ..الخ) وكان ورثة الإدارة الاستعمارية أو صنيعتها على الأصح من مكونات النظام السياسي العربي في لبنان وغير لبنان هم الأحرص على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من مخطط "سايكس بيكو" وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا حتى اليوم.
لكن لبنان محبة السيد المسيح ورحمة وعدالة محمد الذي فرض عليه هذا النظام السياسي الطائفي المقيت قد ظل هو رمز الوحدة والتعايش والإبداع لنفسه وللأمة العربية والإسلامية علماً وثقافة وتحضراً ومنارة عالمية مضيئة للشرق والغرب، لبنان من تعلمت منه القاهرة ودمشق وبغداد علم الصحافة والطباعة والنشر وفن السينما وثقافة المسرح، لبنان الذي أراده الأوربيون المستعمرون والصهاينة ماخوراً للرذيلة وحلبة للسمسرة وتجارة الأرض والعرض والكرامة العربية فكان بعكس ما يشتهون منارة مضيئة لنفسه وللأمة والعالم، منه تعلمنا جميعاً الثقافة الوطنية والتقدمية والحرية، وتقلينا من خلاله الفكر العلمي والأممي وشاهدنا واستمعنا واستمتعنا من خلاله أيضاً بالأدب والفن الإنساني الرفيع بدءاً من ثقافة جرجي زيدان وساطع الحصري وميشيل عفلق وجورج طرابشي مروراً بفكر حسين مروة وعلي أحمد سعيد "أدونيس" ووطنية كمال جنبلاط  الأب، لا تفاهة جنبلاط الإبن، وروح موسى الصدر، وصولاً إلى أدب ميخائيل نعيمة ونزار قباني وسليمان العيسى، وصولاً إلى فن صوت اشتياق الأرض لترانيم السماء فيروز الرحبانية، وحتى نبض قلب الجنوب وثورته وصموده وموسيقاه الجديدة وجوليا بطرس،       ولما لا، والهلال هلالنا والصليب صليبنا وعيسى محبتنا ومحمد نبينا وثورتنا وعدالتنا وانتصارنا فلبنان الذي يتمدد قلبه أكبر من مساحة أرضه قد أتسع لكل ذلك.
لبنان الذي أريد له بفتنة الحرب الطائفية عام 1975م وحتى 1989م أن تموت في أعماقه روح الوحدة والانتماء العربي، وأن ينطفئ في وجدانه مشعل الثقافة والفكر والأدب والفن الوطني والإنساني الرفيع، وأن لا يكون أكثر من مجرد ما خوراً للرذيلة ونادي لسماسرة وتجار الأرض والعرض والكرامة والسياسة فحسب بل أفصحت نهاية تلك المحنة الفتنة عما هو أسوأ وأخطر من كل ذلك هي المحاولة لتوعه الجديدة لإعلان لبنان دولة صليبية عنصرية بجانب دولة الكيان الصهيوني، وبالقوة العسكرية المباشرة للتحالف الصهيوني الاستعماري الدولي القديم وبقيادة البطش الإمبريالي الأمريكي الجديد الذي القاء بكل ثقله السياسي والعسكري على لبنان في عدوان عام 1982م ليحسم أمر الدولة الصليبية العنصرية إلى الأبد، لكن لبنان محبة المسيح ورحمة وعدالة محمد وجهاده، بصليبه قبل هلاله قد تصدى لهذا العدوان ورده على أعقابه، رغم محنة الحرب الطائفية التي كان هذا العدوان قد خطط لها ونفذها على مدى خمسة عشر عاماً لتكون نتائجها المأساوية هي نقطة الضعف لحسم معركته النهائية، فكانت على العكس من ذلك مصدر استخلاص حكمة اللبنانيين وقاعدة انتصار مقاومتهم ضد العدوان، وبعروبة ووطنية المسيحيين الشرفاء قبل المسلمين تمكن لبنان المقاومة من إلحاق الهزيمة الأولى بالعدو الصهيوني وطرده من الجنوب في العام 2000م بعد احتلال ومقاومة استمر أكثر من 22 عشرين عاماً.
إن لبنان الذي أريد له أن يكون بشماله وجنوبه مرتعاً لعمالة سعد حداد وأنطوان لحد وحقد سمير جعجع قد خيب بالأمس واليوم ظن أعدائه وكان على العكس من ذلك هو حركة أمل ومقاومة حسن نصر الله، لبنان الذي أريد له في عدوان الحرب السادسة 2006م أن يكون رأس الحربة المتقدمة أو بوابة الانطلاق على طريق صنع شرق أمريكي صهيوني جديد، فكان لبنان المقاومة على عكس ما يشتهون وأكبر من كل ما كانوا يتوقعون، كان حربة مرتدة إلى نحورهم ومقبرة نهائية لكل أحلامهم، بل وعد صادق لنهاية كل أشكال العربدة الصهيونية والإمبريالية ليس في لبنان المقاومة فحسب بل والوطن العربي كله بدءاً بفلسطين مروراً بالعراق وحتى موريتانيا وصولاً إلى الشرق العربي الموحد والمقاوم الجديد وليس الشرق الإمبريالي الأمريكي الصهيوني الجديد والاستعماري القديم، وما ذالك على الله وعلى كل مؤمن بقضية وطنه وأمته بعزيز.
وعلى حد تعبير وزير خارجية قطر لقد هزمت إسرائيل لأول مرة على يد المقاومة اللبنانية وصار للعرب قوة ردع حاسمة ضد إسرائيل تمنع استمرار بقائهم تحت رحمة تهديد القوة العسكرية الإسرائيلية الضاربة ولأول مرة أيضاً، والحق ما يشهد به العملاء ناهيك عن الأصدقاء والأشقاء.
3 - المقاومة اللبنانية بين التآمر الرسمي والتضامن الشعبي
في النقطة أو البند السابق حللنا معالم الصراع بين وقائع العدوان الصهيوني والإمبريالي القديم والجديد على لبنان وانتصارات المقاومة ضده، والذي قد يبدوا منطقياً وبديهياً أن يقاوم شعب كلبنان أو غيره من شعوب الأرض غزاته وأعدائه من الخارج، غير أن ما لم يبدو بديهياً ولا منطقياً بل وأبعد ما يكون عن الخيال أن يجد لبنان المنارة ولبنان المقاومة من ساسته وساسة أمته العربية الكثير ممن لا ينصره في محنته فحسب بل ويتآمر مع أعدائه عليه، فكل الحكام والساسة العرب وبطاناتهم وذيولهم الفاسدة - إلا من رحم ربي- لم تكن تستهويهم ثقافة وفكر وفن ومقاومة لبنان وعروبته بقدر ما تستهويهم دوماً مواخيره وحانات فجره ومؤامراته التي أدمنوا عليها زمناً طويلاً، كما لم تستهويهم  كذلك أرض لبنان الجميلة وسمائه المفتوحة وصدره الرحب وحريته الواسعة ليستمتعوا بكل ذلك ويتعلموا منه، بل لتوظيفه بملايينهم وملياراتهم في الدعاية والتآمر على بعضهم وتصفية حساباتهم السياسية والدعائية دائماً والعسكرية أحياناً، وضد لبنان أحياناً كثيرة.
وليت الأمر قد توقف عند هذه الحدود ولم يتجاوزه مؤخراً إلى التحالف والتآمر مع العدو الصهيوني والأمريكي ضد أهم وأعظم ما أنجبه رحم لبنان هذا القطر الصغير بمساحته الجغرافية والديمغرافية الكبير بقلبه الوطني والقومي العربي الأصيل وهو عملاق المقاومة الشجاعة التي حققت للبنان والأمة كلها ما عجز عن تحقيقه كل أقزام العروش والكراسي العربية وجموع ملايين خفافيش وحشرات جيوشهم وعسسهم الجرارة التي أعدت لاقتحام الحمى وقمعه بشجاعة، وليس التواري عن خطوط مواجهة الأعداء بجبن ونذالة فحسب بل والاستقامة على حماية حدودهم بقوة وعنف لا يعرف التراجع أو الرحمة ضد كل من تسول له نفسه اختراق حرمة حدود العدو الصهيوني من عناصر "الإرهاب الديني والوطني المتطرف" كما يسمونها، أما من لا قبل لهم بمنعهم من خارج حدود الاحتلال كمقاومة حزب الله في لبنان أو من هم داخل تلك الحدود كحماس في قلب الأرض المحتلة فإن مهمة الساسة وكلاب الحراسة هو حصارهم من الخارج وحث العدو الصهيوني على سرعة تصفيتهم الجماعية وبالقوة العسكرية في الداخل أو من الداخل المحتل.
فمن يستطيع أن ينكر أو يتنكر لحقيقة أن المقاومة الفلسطينية والفلسطينيين قد نكلت بهم الأنظمة العربية وكلاب جندها وعسسها أكثر مما نكلت بهم النكبة والاحتلال نفسه، بدءاً من الحضر المطلق عليهم وعلى كل مواطن عربي شريف من الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني انطلاقاً من أي قطر عربي أو أرض عربية وانتهاء بمجازر القتل الجماعي المنظم للخارجين على هذا القانون الصهيوني العربي المشترك، كمجازر أيلول الأسود في عمَّان وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا في لبنان في الماضي غير البعيد، وما أشبه اليوم بالبارحة حيث المقاومة اللبنانية والفلسطينية تعيش اليوم نفس القصة ونفس السيناريو مع أهلها من الخلف العربي والداخل اللبناني والفلسطيني أكثر مما تعيش القصة والسيناريو مع مواجهة عدوها الصهيوني والإمبريالي من الإمام، حيث لم تكن مأساة موسى الصدر هي البداية ولا فتاوى وأقوال وأفعال دراويش وساسة الرياض والقاهرة وعمان ضد شرعية المقاومة اللبنانية والفلسطينية والتآمر عليهما مع العدو الصهيوني مؤخراً هي النهاية، بل وإنكار حقهما في محاربة العدو الصهيوني على الأرض اللبنانية والفلسطينية المحتلة وفك أسراهم من السجون الصهيونية وإنقاذ الشعب الفلسطيني من وطأة القتل المنظم في غزة والضفة، بحجة تصفية حماس وتقويض سلطتها الشرعية المنتخبة، باعتبار أن كل من حماس وحزب الله على السواء في نظر الحكام العرب على السواء منظمات إرهابية خطرة عليهم أكثر من خطرها على دولة الاحتلال الصهيوني، وعليهم في سبيل مواجهة ذلك أن يتحالفوا مع العدو الصهيوني سراً وعلناً لكي يحميهم ويحمي نفسه من هذا الخطر، ودون أن يشفع لأي منهما تسننه المزعوم عند أهل السنة أو الشيعة الموهوم عند أهل الشيعة ككلمات حق يراد بها باطل أو كلمات باطل يراد بها باطل على الأصح.
أما معنى ودلالة هذا "الخطر المقاومة" بالنسبة لضمير ووجدان الأمة وسوادها الأعظم فإنه يمثل الحقيقة المتبقية من وجودها الحق ونبض الأمل المتجدد في حاضرها المظلم ومستقبلها المشرق بإذن الله وإن غداً لناظره قريب.
* خلاصة القول وختامه الآتي:
1 – إن لبنان الذي ظنه الاستعماريون القدماء والصهاينة والإمبرياليون الجدد هو النقطة الأضعف بعد فلسطين للانطلاق نحو هزيمة الأمة وإذلالها في وجدانها قد خيب ظنهم على مر الزمن وصار لبنان المقاوم اليوم على العكس من ذلك هو النقطة الأقوى لحماية وتحرير الأرض والعرض والكرامة العربية.
2 – إن النظام السياسي العربي الفاسد قد خسر كل أوراقه وضاقت به كل الطرق والمسالك حتى طرق ومسالك العمالة لأعدائه و أعداء الأمة وما عاد لهذا النظام من منقذ إلا أحد خيارين لا ثالث لهما، وأحلاهما مر بالنسبة له، الأول تغيير هذا النظام لنفسه بنفسه وهو الخيار الأصعب رغم أنه مازال ممكناً كفرصة أخيرة، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما في نفوس رموز هذا النظام الرديء لم يعد قابلاً للتغيير كما يبدو إلا بمعجزة، رغم أن زمن المعجزات قد ولى، أما الخيار الثاني فاقتلاع هذا النظام من جذوره استناداً إلى ثوابت وحدة الأمة التي مزقوها وعدالة قضاياها التي تآمروا عليها وحقها في الحرية والديمقراطية التي صادروها والتنمية والتقدم الذي يقف هذا النظام حجر عثرة في طريقه.
3 – إن منطق وفلسفة المقاومة السياسية والثقافية والمدنية والحضارية مع القوة والمنعة العسكرية إنطلاقاً من نموذج حزب الله لبنان وحماس فلسطين لهو الخيار الذي لا خيار معه أمام الأمة العربية والوطن العربي بأقطاره المختلفة من أجل الوحدة وتحرير الأرض والعرض من دنس الاحتلال الصهيوني والهيمنة الإمبريالية وتحقيق الحرية والديمقراطية والتقدم اللائق بمكانه وقدر هذه الأمة أرضاً وبشراً وموارد وحضارة.
ثالثاً: العراق نموذج السلطة ونموذج المقاومة
نعم عراق التاريخ وحضارة العشرة ألف سنة وعاصمة الرشيد بغداد هو بلد المفارقات العجيبة والتحديات الكبيرة عبر التاريخ والذي كان بالأمس القريب هو النموذج الأقل سوءاً في منظومة النظام السياسي العربي الرسمي بكل تأكيد، لكن الأسواء منه هو ما بعده اليوم من كابوس الاحتلال وشبح الفتنة الطائفية الضاربة أطنابها والتي بذرها كما في ويتولاها الاحتلال اليوم بالرعاية، وإذا كانت هذه هي خطوط السلطة والنظام الرسمي من صدام إلى بريمر وحتى ملوك الطوائف في المنطقة الخضراء من بغداد في وضع غير محسود، فإن خط المقاومة الوطنية والقومية والإسلامية الحقة ضد الاحتلال والطائفية هو الأصعب، لأنه يشق طريقه بصعوبة كبيرة تحت مطرقة الاحتلال وسندان أمراض الطائفية، وذلك ما يمكن تحليل أبعاده ودلالاته بدءاً بالرد على التساؤلات الآتية:
1 – هل كان نظام صدام هو أهون الشرور قياساً بما حوله وما بعده؟
نعم لقد كان نظام صدام حسين على مدى أكثر من ثلاثة عقود وبكل مساوئه هو أهون شرور ما قبله من النظم السياسية داخل العراق وما حوله في المحيط العربي، بل وأهون مما بعده مائة مرة من سوء في الداخل العراقي والمحيط العربي عموماً، وهذا هو ما نفترضه على الأقل ونحاول البرهنة عليه، فصدام قد استولى على السلطة بانقلاب عسكري ضد الرئيس السابق أحمد حسن البكر، وحكم بمنطق الحديد والنار كل اتباعه والمطبعين له وبمنطق القتل الفردي والجماعي المنظم لكل المعارضين له تحت أي مسمى أو مبرر حتى مجرد الظن، وخاض حرب الخليج الأولى المدمرة لمدة ثمان سنوات مع إيران لحساب الولايات المتحدة الأمريكية وبتنسيق المستشار العسكري الإمريكي الخاص لصدام والبيت الأبيض " دونالد رامسفليد " ووزير الدفاع الأمريكي الحالي وقاد حرب اجتياح الكويت التي عرفت بحرب الخليج الثانية عام 1990م التي أقدم عليها صدام أو دفع إليها على الأصح بكرت أخضر من سفيرة الولايات المتحدة في بغداد وقتها "باربارا" التي أغرته بنصيب الأسد وعاد منها بأقل من نصيب ابن أوى أو بخفي حنين، لينتهي بعد الاحتلال المباشر للعراق عام 2003م فاراً في أحد جحور مزرعة من مزارع ضواحي بغداد ثم في قفص اتهام مستشاره العسكري القديم "دونالد رامسفليد" حيث اقتيد فيها صدام الفأر من جحر المزرعة إلى قفص الاتهام لتتسلى به قطط البيت الأبيض في المنطقة الخضراء من بغداد قبل افتراسه أو رميه بين محتويات القمامة، هناك حيث انتهت وستنتهي كل ثعالب وفئران وحشرات النظام السياسي العربي السابقة والبقية آتية، لكن صدام حسين رغم كل ذلك سيظل هو أشرف المنحطين وأشجع الجبناء في وجه أعداء الأمة، وخيرهم طغياناً واستبداداً بشعبه في هذا النظام السياسي العربي الرديء.
2 – لماذا كان صدام أفضل السيئين في النظام السياسي العربي الرديء
ذلك إذاً هو صدام النموذج الأقل سوءاً في النظام العربي الأسوأ "تصوروا الأقل سوءاً" فما بالنا بالأسوأ!! لكن لماذا الأقل سوءاً وما دلالة هذا التقليل من السوء إنه ببساطة يتمثل في أمرين هامين يحتسبان لصدام بامتياز وهما:
أ – الأول قبل سقوطه وهو قيامه بما لم يقم به أو حتى يفكر فيه أي حاكم عربي، وهو محاولة الإمساك بناصية العلم والتكنولوجيا الحديثة، واختراق كل الخطوط الحمراء والأبواب المشفرة في قلب أوربا وأمريكا من أجل ذلك، وكان هذا الفعل التاريخي العملاق بالنسبة لصدام والعراق بل والأمة العربية كحق هو الخطر الذي لا يحتمل بالنسبة للوبي الصهيوني الاستعماري القديم والإمبريالي الأمريكي الجديد، وكان احتلال العراق وتدميره بل و رأس صدام هو الثمن الأقل والعقوبة الأهون لأعوان صدام والشعب العراقي على ما أقدموا عليه من ارتكاب مثل هذا الجرم الخطر على أمن ومصالح القوى الصهيونية والإمبريالية، والذي لم تشفع له كل أياديه البيضاء في خدماته السابقة لهم والسوداء في قهر وقتل شعبه وجيرانه من أجلهم حتى بالإبقاء على حياته كمجرد فأر في قفص للتسلية كما يبدو من مسرحية ما يعرف اليوم "بمحاكمة صدام حسين" بعد صدور أول حكم بإعدامه شنقاً ويكفي صدام شرفاً أنه قد صار عدواً لأعداء الأمة حياً كان أو ميتاً لا كغيره بلا شرف حياً وميتاً.
ب - أما الأمر الثاني الذي جعل من صدام البلاء الأقل سوءاً في النظام السياسي العربي فهو ما لم يفعله هو بل خدمته به الظروف والمتغيرات السياسية بعد سقوطه، وهو أن من أتى بعده من ثنائي فتح قبو العفن الطائفي من جهة وإدارة عنف الاحتلال لمخرجات هذا القبو وتصعيدها من جهة ثانية وما أسفر عن كل ذلك من تدمير المدمر وتجزئة المجزأ وقتل من لم يقتل بعد من الأبرياء وانتهاك حرمات وأعراض وحقوق إنسانية من لم ينتهكها صدام من قبل وبحدود لا يقاس معها ما حدث في أبو غريب صدام مع أبو غريب "بريمر" فصار صدام ملاكاً بجانب شياطين البيت الأبيض وأذنابهم في المنطقة الخضراء من بغداد، وهكذا وعن يقين صار الاحتلال الذي بشر بعراق النموذج الديمقراطي للشرق الأوسط الجديد وذيول هذا الاحتلال الذين أقتحموا بغداد على صهوة دبابات الاحتلال هم أسوأ من نظام صدام بكثير، وصار صدام هو عن حق أقل سوءاً منهم ومن منظومة النظام العربي الرسمي كله، لأنه ما دام قد انتهى بنظامه وشخصه على هذا النحو البشع على أيدي أعداء الأمة فإنه منطقياً ودون أدنى شك قد فعل شيئاً خطيراً أثار غضبهم إلى هذا الحد الذي سيجعل التاريخ منه أقل سوأ بل وبطلاً قومياً بسبب ذلك، وهم أسوأ منه بكل تأكيد، وبعد ألا يكفي هذا تدليلاً على إثبات فرضيتنا السابقة بأن نظام صدام حسين هو أهون الشرور وأفضل السيئين؟ أجزم بذلك بكل تأكيد.
3 – المقاومة العراقية بين مطرقة الاحتلال وسندان الفتنة الطائفية
المقاومة الشعبية دائماً هي الاحتياطي الغير قابل للنفاد أو الهزيمة في مسار النضال الوطني للشعوب التي تتعرض للغزو والعدوان الخارجي أو القهر والاستبداد الداخلي، حيث قد تنهزم أو تنكسر الجيوش وتسقط النظم الرسمية في عملية المواجهة للغزو أو العدوان حتى لو كانت وطنية ومرتبطة بصميم هموم شعوبها ومتفانية في التضحية من أجلها، على غرار ما فعلته نظم وجيوش معظم البلدان التي تعرضت للغزو النازي في الحرب العالمية الثانية وفي مقدمتها فرنسا وروسيا، فما بالنا حينما تكون مثل هذه النظم وجيوشها في حالة قطيعة وعداوة مع شعوبها وتواطؤ وتبعية لأعدائها كما هو حال النظام السياسي العربي وجيوشه وعسسه مع شعوب وقضايا الأمة العربية والإسلامية، فإن خط المقاومة في مثل هذه الحالة لا يبدأ من نقاط التماس مع الغازي أو المعتدي من الخارج، بقدر ما يبدأ من خط التماس مع القهر والاستبداد في الداخل و التواطؤ عادة مع الخارج، أو المرتبط به أكثر من ارتباطه بشعبه، فمثل هذا النظام لا يكون فريسة سهلة لأي غزو أو عدوان خارجي فحسب مهما بدأ متضخماً بنفسه وإمكانيات جيشه وعسسه كما كان حال نظام صدام حسين وجيشه وعسسه أمام الغزو الأمريكي البريطاني، بل وبيئة مثالية لانبثاق المقاومة الشعبية ضد هذا النظام ومخططاته من جهة وضد الغزو والعدوان من جهة أخرى، وهذا هو حال المقاومة الوطنية العراقية التي تناضل على جبهة الغزو والعدوان القادم من الخارج من جهة وجبهة مخلفات النظام الدكتاتوري القديم من جهة ثانية، وماضي التخلف المذهبي والطائفي الكهنوتي الأكثر خطورة وتعقيداً على وحدة المقاومة وانتصار خطها الوطني والقومي الإسلامي النقي من جهة ثالثة، وكل هذا هو ما يفسر التعقيدات والخسائر المخيفة في مسار الأوضاع السياسية والاجتماعية والعسكرية في العراق والتي تحيط بخط المقاومة الوطنية ويغذيها الاحتلال.
4 - تجاوز الفتنة الطائفية أولاً
لقد كان من البديهي أن يفشل نظام صدام في المواجهة العسكرية سواء في العدوان على الكويت أو ضد الاحتلال الأمريكي وأن يسقط، مقابل أن تثبت جذوة المقاومة غير القابلة للنفاذ أو الهزيمة، لكن الأعقد والأصعب من مواجهة مقاومة الشعب العراقي للاحتلال والانتصار عليه هو مقاومة العراقيين لما في نفوسهم من أمراض الفرقة والفتنة الطائفية التي راكمتها حقب التخلف والمحن المتتالية، وإعلان الجهاد الأكبر عليها قبل جهاد الاحتلال، لأن الانتصار في معركة الجهاد الأكبر للعدو الكامن في النفوس طبقاً لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام هو الخطوة الأولى والمؤكدة لضمان الانتصار في معركة الجهاد العسكري الأصغر ضد العدو الخارجي، الذي يعتمد اليوم في انتصاره وبقائه على فرقة نفوس العراقيين وصراعهم وقتلهم لبعضهم البعض باسم الخلاف المذهبي واللاهوت الطائفي الذي لم ينزل الله به من سلطان، أكثر مما يعتمد على جيوشه وأساطيله الضاربة في البر والبحر والجو للغزاة الأمريكان والاحتلال الصهيوني، والتي تقزمت وانهارت أمام وحدة وعزة النفوس العالية لحزب الله والمقاومة اللبنانية التي طهرت نفسها من أدران الطائفية والمذهبية والعرقية المقيتة وسمت فوقها فيما يتعلق بمواجهة العدو الصهيوني على الأقل، فهل تفعلوا أيها العراقيون يا أحفاد الرشيد وأنصار الحسين وجند المثنى والقعقاع وعمورية فتنتصروا على أنفسكم أولاً في معركة الجهاد الأكبر قبل أن تحلموا بالنصر على الغازي في معركة الجهاد الأصغر؟ لأن هذه لن تتأتى إلا بعد تلك، أيها العراقيون الشرفاء لقد أذهلتهم العالم ببطولاتكم وصمودكم ضد العدوان والاحتلال رغم أنكم منشغلون بقتل أنفسكم أكثر من قتل أعدائكم فما بالكم لو تجاوزتم فتنتكم الطائفية الحقيرة والخطيرة وسلاح عدوكم الأول ضدكم؟؟ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلون، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
رابعاً:الصومال من أمراء الحرب القبلية إلى أمراء المحاكم الإسلامية
1 –الأهمية الاستراتيجية للقرن الأفريقي
ما يعرف بالقرن الأفريقي الذي تشغل جمهورية الصومال مركزه الاستراتيجي الأول بجانب جيبوتي وأرتيريا لا يحتاج إلى تأكيد أهميته الإستراتيجية كضفة عربية لبوابة البحر الأحمر الجنوبية من جهة، ومنطلق لقلب وجنوب القارة الأفريقية من جهة أخرى، ناهيك عن الموارد الطبيعية الزراعية والمعدنية البكر في هذا البلد بل والقرن الأفريقي العربي الإسلامي العريق الممتد عبر الصومال وجيبوتي وارتيريا، والذي لم يكن حظه من الأطماع الاستعمارية القديمة والإمبريالية والصهيونية الحديثة بأقل حظاً من أي قطر عربي أخر، بدءاً بالاحتلال الإيطالي والفرنسي وانتهاء بالتطلعات الصهيونية والإمبريالية الصلفة للهيمنة على المنطقة، وهذا البلد الذي نسيه أو تناساه أهله وأشقاؤه العرب بقدر ما انشغل به وتدخل في شئونه واعتداء عليه أعداؤه قد ظل رغم كل ذلك ورغم محنته الطويلة مع المؤامرات الخارجية وأمراء الحرب والنهب والقرصنة الداخلية ظل في وجدانه العميق عربياً مسلماً حقاً ومقاوماً صلباً للغزو والهيمنة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية ومستقيماً على قدميه بلا عون يذكر من شقيق أو مساعدة تشكر من صديق إلا من رحم ربي، ومن وصلت بهم قوارب الموت إلى الضفة المقابلة من البحر في السواحل والأراضي اليمنية التي فتحت صدرها لكل الباحثين عن الأمان من بطش أمراء حرب البر وقراصنة البحر، أما تفاصيل البقية فتبدأ من النموذج الأبرز للنظام الشمولي الذي أسسه سياد بري بعد الاستقلال في                   أواخر الستينات وبداية السبعينيات من القرن المنصرم، مروراً بالحرب الأهلية التي أججتها أيادي الاستخبارات الأجنبية الأمريكية تمهيداً لاقتحام البلاد والسيطرة عليها سياسياً وعسكرياً، وانتهاء بخط المقاومة الوطنية الإسلامية والموضح       كل ذلك على النحو التالي:
2– سياد بري النموذج الأول والأخير للنظام العربي الشمولي في الصومال
كان الصومال قد حصل على استقلاله الوطني في أواخر ستينيات القرن الماضي في سياق المد العربي والعالمي لحركات التحرر الوطني، وكان محمد سياد بري من أبرز المنتفعين بثمار ذلك التحرر وتوظيف مبادئه وشعاراته الوطنية والقومية بل والأممية والاشتراكية ككلمات حق أريد بها باطل لصالحه الشخصي ككل الساسة والحكام العرب وغير العرب على امتداد ما كان يعرف بالعالم الثالث، الذين انتقلوا بحركات التحرر الوطني من مرحلة الاستعمار الخطير من الخارج إلى الاستعمار الأخطر من الداخل، فكان سياد بري بسلطة سنوات حكمه .....(؟) هو الزعيم الأممي والاشتراكي قولاً والأكثر فردية وقبلية تسلطاً وترفاً فعلاً في البلد العربي الإسلامي الأفريقي الأفقر، وإذا كان لكل قاعدة استثناء فإن قاعدة مسار النظام السياسي العربي ونموذجه البارز محمد سياد بري في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن المنصرم في جمهورية الصومال فإن الاستثناء الإيجابي الوحيد لهذا النموذج السيئ هو أنه قد كان هو البداية والنهاية لنموذج مساوئ النظام السياسي العربي في الصومال تحديداً وهو ما يحسب له رغم أنفه، حيث لم يتمكن أو يمكنه الشعب الصومالي على الأصح من تأصيل وتوريث نموذج أنظمة الحكم العربية السيئة على الطريقة الملكية والإميرية القديمة أو الجمهورية وديمقراطية 99.9% الحديثة، فكان هو النموذج الأول والأخير بالنسبة للشعب الصومالي ربما لحسن حظه أكثر من سوء حظ الشعب الصومالي نفسه.
3 - الصومال بين أمراء الحرب القبلية والمخططات الإمبريالية الأمريكية
لم يسقط إذاً نموذج النظام السياسي العربي الفاسد في الصومال بسقوط نظام سياد بري فحسب بل ومشروع تأصيل وتوريث هذا النموذج في القرن الأفريقي ربما إلى الأبد وبلا عودة، لكن ما يترتب على سقوط مثل هذه النماذج من الأنظمة العربية وغير العربية المتخلفة من تبعات الفوضى والصراعات الطائفية والقبلية التي بذرتها القوى الاستعمارية قديماً وتعمل على إذكاء نارها الإمبريالية الأمريكية حديثاً هو أمران أحلاهما مر، الأول الإمعان في تمزيق الممزق وتجزئة المجزأ من مقومات الوحدة الوطنية والقطرية على الأقل، وتدمير البنية الاقتصادية والثقافية والروحية للمجتمع الصومالي، لا لمجرد الحيلولة دون استمرار الوحدة الوطنية القطرية للصومال حتى وفقاً للنموذج السياسي العربي الشمولي والاستبدادي فحسب بل وتمهيد الطريق للانقضاض المباشر لاستعادة السيطرة الاستعمارية الأوروبية القديمة بآلية الإمبريالية الإميريكية الجديدة وتغيير الهوية العربية والإسلامية لهذا البلد أو ذاك، وهو ما جرى ويجري في الصومال منذ سقوط سياد بري قبل 15 سنة وما يجري في العراق وما يراد له في لبنان والسودان، وصولاً إلى ما وصل إليه الهدف والمخطط الإمبريالي الجديد في عام 1993م من عملية الغزو العسكري المباشر للصومال بجنود وأساطيل المارينز لتضع يدها على أهم موقع استراتيجي في مدخل البحر الأحمر وشرق أفريقيا بشكل مباشر ونهائي.
لكن المفاجأة كانت مرعبة جداً وغير متوقعة حينما أصبحت جحافل الغزو الأمريكي أنفسهم مع من حضر معهم من مرتزقة الدول التابعة لأمريكا مصيدة سهلة لذئاب الحرب من كل حدب وصوب حيث تحول إعلان قيادة المارينز عن جائزة مقدارها خمسة ألاف دولار لمن يقبض على "فرح عيديد" أخر رموز السلطة الوطنية في العاصمة مقديشو ويدل عليه، تحول ذلك الإعلان بعد خمسة عشر يوم فقط إلى إنذار عاجل لجحافل علوج المارنز من نفسها لنفسها بسرعة الهروب من المستنقع الذي خططوا له ومولوه وصاروا هم أحد ضحاياه بعد أن انقلب السحر على الساحر في الصومال كما انقلب قبل ذلك في لبنان عام 1983م وأفغانستان على مدى                 عقد الثمانيات بعد أن تحول بن لادن-طبقاً لقاموس الخطاب السياسي المعلن للبيت الأبيض - من المجاهد الكبير ضد الشيوعية من أجل أمريكا في الثمانينيات إلى الإرهابي الأكبر ضد أمريكا والعالم في التسعينيات وحتى الآن، وكذلك هي الحال في العراق اليوم.
4 – الصومال من أمراء الحرب وفلسفة الفوضى البنأة إلى أمراء المحاكم الإسلامية المقاومة
كل ما يستطيع وما لا يستطيع أن يتخيله عقل بشر من فضائع الحرب القبلية والأهلية والمناطقية بفعل ما يعرف بعصابات أمراء حرب القتل من أجل السلب والنهب وانتهاك الحقوق والأعراض والحرمات يمكنه أن يجد له نموذجاً جليا فيما جرى ويجري على أرض الصومال طوال أكثر من عقد من الزمن وحتى الآن وبمعزل عن أنظار الأشقاء العرب وعالم "حقوق الإنسان" الذي أسقط من ذاكرته السياسية والإنسانية مأساة هذا البلد المنكوب، ربما لكونه عربي  وربما لكونه مسلم وربما لأن فقره ومحنته لم تكن مرتبطة بأي من محاور الصراعات الإقليمية والدولية الكبيرة بصورة مباشرة، ولا يوجد فيه ما يغري أحد من الباحثين عن المصالح المباشرة على الأقل ما عدى طرزانات البيت الأبيض وقرانصة وعسس البنتاجون والـ(C.I.A) الذين لم يتوقف اهتمامهم بالصومال والقرن الأفريقي ككل عند الاهتمام باستراتيجية المكان بالنسبة لمن يحلم بإدارة شئون العالم من المكتب البيضاوي في البيت الأسود فحسب بل ومن يصر على تنصيب نفسه كشرطي أو ولي أمر كل البشر على هذا الكوكب والمسلمين منهم خاصة حكوماته وجماعاته وأفراده من أسامة بن لادن في تورا بورا إلى عبدالمجيد الزنداني في اليمن وما يقرأه ويكتبه تلاميذ المدارس في السعودية وما تعنيه نداءات الباعة المتجولين في الأحياء الشعبية والشوارع الخلفية من دلهي القديمة إلى حي الأزهر والحسين بالقاهرة والنجف وكربلاء في العراق وحتى مخيمات نازحي دارفور السودان وما تبقى من خرائب عاصمة الصومال مقديشو، بل وما يضمره كل مصلي في صلاته لله من اندونيسيا إلى موريتانيا ومن أقصى جنوب أفريقيا حتى كاردف في بريطانيا ليقرر هو في ضوء كل ذلك مَن مِنْ كل منهم يستحق البطاقة الخضراء الشهيرة (Green Card) لا ليدخل أراضي الولايات المتحدة ويعمل بها قط كما كان المتعارف عليه حتى زمن قريب بل لمجرد أن يكون له حق البقاء في أمان في بيته ووطنه تحت المراقبة، أو أن يؤخذ إلى مركز الاختطاف والقرصنة العالمية الجديدة في جوانتناموا إذا كان القرار بخلاف ذلك طبقاً لما تشير به تقنيات جمع المعلومات واستخبارات الـ(C.I.A) الغبية.
وعودة إلى موضوعنا في الصومال هناك حيث فلسفة الفوضى البنأة لإدارة اليمين المتطرف في البيت الأسود المطبقة في الصومال كما هي في العراق وكل مناطق العنف والتوتر التي يصنعها في العالم من هناك من قلب فوضى ومحنة أمراء الحرب المرعبة والممولة أمريكياً تنبثق روح المقاومة الوطنية الإسلامية التي بدأت كرد فعل لأعمال القتل والسلب والنهب التي ترعاها فلسفة الفوضى البنأة بصورة مباشرة وغير مباشرة عن طريق تشكيل جماعات لحماية الحقوق ورد المظالم، إستناداً إلى مركب الوجدان العميق للمجتمع الصومالي كمجتمع مسلم وبالرجوع إلى قواعد الشرع الإسلامي الحنيف في حماية الحقوق ورد المظالم وصيانة الأعراض وبعيداً عن أية نزعات قبلية أو طائفية أو مناطقية أو حتى تطلعات سياسية في البداية على الأقل، فوجد الشعب الصومالي المثقل بمحنه "فلسفة الفوضى البنأة" في هذا النوع من المقاومة المدنية والإنسانية الراقية ضالته المنشودة والقائمة على المفهوم المدني والشرعي للقانون والشرع الإسلامي والذي ربط المقاومون أنفسهم به شكلاً ومضموناً وأسماً على مسمى لما صار يعرف بـ"المحاكم الإسلامية" ووجدوا هم أيضاً في الشعب الصومالي خير مستجيب لخير داع، فانطلقت مقاومة المحاكم الإسلامية بالناس في الصومال كما انطلق الناس بها أيضاً نحو النقطة المضيئة الضيقة في نهاية النفق المظلم بصعوبة ومشقة ولكن باقتدار وثقة غير محدودة بالنصر القريب والمتسارع بعد أن بلغ السيل الزبى والعتمة منتهاها والنسيان العربي والعالمي لهذا البلد المنكوب بفلسفة الفوضى البنأة أقصى مداه.
لقد انطلقت مقاومة المحاكم الإسلامية من صميم محنة الشعب الصومالي ليس من بن لادن في تورا بورا ولا من حسن نصر الله في جنوب لبنان ولا حماس  في فلسطين ولا كربلاء العراق، فكل ما تملكه المحاكم بجانب إيمانها بالله والوطن هو التفاف الشعب الصومالي حولها ونقطة الضوء في نهاة النفق التي تتسع ومساحة العتمة التي تضيق وتتراجع بمعدل أسرع، لكن المفارقة العجيبة أن يصحوا العالم ويشد أنظاره إلى الصومال بعد الغياب أو التغابي الطويل عالم منظري فلسفة الفوضى البنأة في واشنطن تحديداً لا ليشد من أزر هذه المقاومة ويعجل بفرج خروج الشعب الصومالي الطيب من نفق المحنة المظلم، بل ليعلن أن الإرهاب العالمي الإسلامي يطل برأسه من الصومال وأن على حلفاء التضامن العالمي لمكافحة الإرهاب بقيادة بوش أن يبادروا لحتف عنق ذلك الرأس قبل استفحاله، فبادرت إدارة البيت الأسود إلى دعوة غرفة عمليات مجلس الحرب الأمريكي وليس مجلس الأمن العالمي وتشكيل ما يعرف بلجنة القضية الصومالية المشكلة من أعضاء الدول الاستعمارية القديمة للصومال "ايطاليا، وبريطانيا، فرنسا ورأس الاستعمار الجديد أمريكا" التي انتقلت من موقف السر إلى العلن في تعزيز ودعم أمراء الحرب من أجل محاربة "إرهاب المحاكم الإسلامية" كما تداعت معظم الدول المجاورة وفي مقدمتها أثيوبيا التي صمتت دهراً ونطقت كفراً وبناء على تعليمات سيد البيت الأسود داعية إلى ضرورة التدخل بقوات دولية لحماية الصومال من الإرهاب وتحقيق أمن واستقرار أهله وبالتعاون والتنسيق مع الحكومة الوهمية في مدينة بيدوا المكونة من أمراء الحرب أصلاً في مقابل الجهود الخجولة للجامعة العربية "أو جامعة عمرو موسى العربي الوحيد في الجامعة غير العربية على الأصح" إذا ما استثنينا بعض القادة العرب في اليمن والسوادن وموقفهم الإيجابي تجاه الصومال سابقاً ولاحقاً، وثم غزو الصومال من جديد من قبل النظام الأثيوبي خدمة للمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة ودخول مقديشو. غير أن قافلة مقاومة المحاكم الإسلامية في الصومال تسير بثبات وكلاب أمريكا تعوي في كل مكان من واشنطن إلى أديس أبابا ولن تتردد عن العض ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً لكن قوة المقاومة وشرعيتها وثبات مبادئها ومصداقيتها الوطنية والإسلامية من أجل وضع الحد النهائي لا لعويل الكلاب المحلية والدولية المسعورة ونهشها الدائم في جسد هذا البلد المنكوب فحسب بل وتحقيق الأمن والاستقرار الوطني والديمقراطي الحر وتنميته عما قريب إن شاء الله، ولينصرن الله من ينصره والله قوي عزيز.



ارسل هذا الخبر
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS


التعليقات:

الاسم:
التعليق:

اكتب كود التأكيد:




جميع حقوق النشر محفوظة 2007-2012 لـ(اليمن الجديد)