90 % من اليمنيات ضحايا التحرش... وصفحات الانترنت ملاذهن الأول    حجة : اتفاق لايقاف مواجهات مسلحة بين الاصلاح وجماعة الحوثي    إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة    الاصلاح يضغط على اللواء محسن لمؤاخاة هادي    من أجل رئيس وزراء لليمن- لا لحميد    نقابتهم صامته .. (مراسلون بلا حدود) تدين فتاوى تكفير صحفيين يمنيين    السفير الأمريكي يرفض احتجاجات الجيش ويوقف تجنيد 50 ألف متطرف    قيادي في المشترك يكشف اسرار بيع ثورة الشباب    صدامات دامية بين نشطاء من (الإصلاح) وشباب الحراك الجنوبي    صحيفة سعودية : الأحمر والإخوان المسلمين متورطون في جريمة مسجد الرئاسة   
الصفحة الرئيسية  |   من نـحـن  |   إرسال خبر  |   الاتصال بنا  |   مواقع صديقة  |  
 
 بحث متقدم
الجمعة, 27-يونيو-2008

tehama_400

 

اليمن الجديد/خاص- تهامة : محمد الجنيد
مسيرة الشياطين تنطلق من البحر هكذا تقول الأخبار إن صدقت ومثل هذا البحر الذي لا يجيد الهيجان إلا لذاته على عشش وديم وزرائب في صناديق التهائم المسقوفة بالأنين شبه اللانهائي، بعد توقع البعض بأنه سيكون هناك تطبع بزيادة توقعات مطالب الكثير من المواطنين على مدى 30 عاماً من العذاب القيامي.. هم يريدون فيها أن تتحول العطور إلى روائح بلا ألوان، ذلك معناه انهم يريدون للرؤية ان ترتدي جبة من ضباب، وللأكسجين أن يضع أظافره في العمق من حلقومه ويضغط باتقان، يريدون ان يسرقوا من زرقة الموج لونها.. وقد فعلوا في هذه السطور دخلت بنا الأقدام إلى حقل تجارب لاستكشاف حقيقة انقراض الكائنات الحية التي تحدثت قواميس الطبيعة في أرياف محافظة الحديدة ومروراً بالتنقيب عن صبغة الحياة في مديرية الحالي – مركز محافظة الحديدة – وحتى استخلاص ملامح الوجود الإنساني في (دير الجبالية) بمديرية المراوعة مع ان كلاهما تعيش واقعاً مؤلماً إلا أن زيارة واحدة إلى هذه المناطق كفيلة للخروج بهذه الحصيلة المؤلمة.

tehama3_400_01

(دير الجبالية) تبعد عن منطقة القطيع 13كيلومتر باتجاه الشرق الجنوبي من محافظة الحديدة.. هناك  ستبوح الأيام بذكرياتها وتروي السنين أحزانها بصمت شديد أما فتاة تبحث عن فارس ماهر يخرجها من عزلتها، تبحث عن إنجازات الثورة والوحدة فلا تحد ما يذكر.. تحاول استعادة ماضيها، فلا تجد غير كابوس الواقع.
وفي الصباح الباكر أخذني الأخ الجميل/ إسماعيل محمد عبده برزخ في نزهة ريية إلى ريف المراوعة البائس.. الشراعية، المنصر، القطيع، السليمانية حيث توجد قرى متناثرة كحبات اللؤلؤ هنا وهناك لا أذكر اسمائها ولكن كانت دير الجبالية أكثر بؤساً ومعاناة، وكل قرية من قرى ريف المراوعة في أعماقها أغنية وحكاية حزينة تخدع كل غريب يدخلها وتبدو له أكثر جمالاً وروعة وبهاءً.

روتينيات لابد منها

tehama2


لم يكن هذا الاختصار وارد على لسان شخص بعينه.. فالجميع تشابهت أقوالهم فيما يخص حصولهم على بطائق الضمان الاجتماعي.. إذ يقولون ان أغلبهم ليس لديه بطائق ضمان وذلك بسبب المبالغ التي يجب فعها للحصول عليها، ابتداءً بما يطلبه عاقل الحارة لتزكية طالب الضمان وانتهاءً بالمعاملة الروتينية التي يجب اتمامها للحصول على البطاقة.
يقول أهالي حارة البيضاء نحن منسيون لكن وقت الانتخابات الجميع يتذكرنا وينزلون إلينا ويذكرونا أننا مواطنون لنا حقوق ومطالب يعدونا بتنفيذها كتحسين أوضاعنا وعمل مشاريع خدمية لنا فجميعنا نملك بطائق انتخابية.
إحدى العجائز طلبت عدم ذكر اسمها خوفاً من حرمانها الضمان الاجتماعي قائلة ونبرة ضجرة: يأتون إلينا ايام الانتخابات ويترجوننا ويوعدونا بإصلاح أوضاعنا لما نصدقهم وننتخبهم بعد الانتخابات يتذكروا ان أحنا مهمشين وتقول: أحنا عيال الرئيس ليش ما يبصرنا أم أمحاج حقنا منعرفش.
واحد شباب الحارة صاح قائلاً: هذه الحارة حارة الحاج رئيس فرع الحزب الحاكم بالمحافظة وهو برلماني الدائرة حقنا، هذا ونحن كلنا مؤتمر تكون أوضاعنا سيئة فكيف سيكون حالنا أن كنا غير مؤتمر؟!!

أشلاء مبعثرة بالخراب


من منطقة القطيع انطلقنا باتجاه – دير الجبالية – على دراجة نارية "موتور" سعدت لأني أسير بطريق مسفلت إلى قرية ريفية تقطن في بطن أحد الجبال.. لكن ذلك الخط الأسود الأسفلتي اختفى عن عجلات (الموتور) قبل الوصول لكن الرغبة دفعتنا للمواصلة وتحمل عناء الوعورة كون المشهد يزداد جمالاً وروعة كلما تقدمنا في السير، الارض مكسوة بالخضرة والنقاء تعطي اللوحة الربانية مذاقاً خاصاً تجعل المرء يسجد بالشكر لبديع هذه الأرض، ومع وصول الرحلة ابتسمت دير الجبالية بقدومنا إليها صاحبها مقطوعة ترحيبية عازفها هناك رئيس جمعية الأستحمار بسمفونية غنائية رائعة على أنغام البؤس وأوتار الألم في منطقة موحشة كئيبة.. حزينة.. تبحث عن ذاتها الجريحة بين ركام هائل من الخراب.. تلملم أشلائها المبعثرة بين سلطة محلية عاجزة.. ونافذين لا يتورعون عن الاستحواذ على كل شيء.. منطقة دير الجبالية يتضاءل فيها التفاؤل، فيما يتنامى البؤس وتتكاثر عذابات البشر.
ولكثافة الدواب والحمير.. في دير الجبالية عادت لنا الذاكرة قليلا إلى أيام الخلافة الإسلامية حينما كان الخليفة وأمير المؤمنين يأمروا بصرف مرتب فقيه العلم ومرتب إضافي للدابة التي يركب عليها عرفاناً بما يقدمه العالم أو الفقيه في تنوير العقول وبالعودة إلى الحديث عما نشاهده في هذه الديرة فانه أينما تولت وجوهنا فثم وجه الحمير التي لا يمكن الاستغناء عنها أبداً في سبيل البحث عن الماء وقضاء المتطلبات الضرورية.

 مغارات متعددة الفصول


حكاية الأمل الهجائي بدأت تتقاذف حروفها داخل (مغارات) متعددة الفصول تبحث عن كاتب لإخراجها في مسرحية كوميدية ساخرة، يبتهج الإنسان سروراً حين يتذكر ويجسد قراءة قصة عشق وغرام "روميود جليت" من خلال مقاعد الدراسة.. بصراحة مأساة التعليم هنا مأساة مؤلمة جداً، ووجع الحسرة وآهات الضياع أسهمت في ذلك.. لماذا هيبة المعلم تتلاشى وقامته تتقزم وابتهالاته خافتة بين يدي المستقبل وحفنة برجوازيات الفساد مصابة بداء التخمة.
فهناك مدرستان أحدهما للبنين والأخرى للبنات.. ولكن مدرسة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه أغلقت نتيجة هروب الفتيات من مقاعد الدراسة كما أفاد مدير المدرسة/ جعفر محمد مقبل – وأكدت أن الآباء وراء ذلك لانهم لا يشجعون الفتاة على التعليم واغلقت مدرسة أسماء في عام 2004م، هكذا نستمر في مكافحة الأمية لدى الفتيات.. التعليم للبنين فقط.. والبنات لا يستطعن الاستمرار، نظراً للعادات والتقاليد.. وخوف الأهالي من الاختلاط وخصوصاً بعد حكاية المدرس السرور وغراميته.. وبعد إغلاق مدرسة أسماء للبنات.. لاسباب غير واضحة حتى الآن رغم تعدد الأسباب واختلاف الروايات والحكايات حول إغلاقها.. ولكن هاهي مدرسة أبي بكر الصديق للبنين ذات 135 طالب وطالبة يدرسهم أربعة معلمين للمرحلة الأساسية مع مدير المدرسة.. الحكايات التي سمعتها عن دير الجبالية كثيرة ومتعددة ولا أدرى إن كانت أساطير أو حقائق أو غيرها.. فالدراسة من الابتدائية إلى المرعاية أسهمت في تأسيس الجهل والأمية.

مياه غير صالح للشرب


المعاناة والإهمال كانتا هما أنصع صورة متحركة في منطقة منعدمة النظافة فيها.. متوجهة بعدسة الحديث عن مشروع المياه الذي شيد منذ عهد الرئيس الحمدي وهو يحمل بصورة دائمة بعد أن أضحى اليوم في حالة متدهورة وكثير الانقطاع ويفتقد لإدارة واضحة متعدد التدخلات والمزاجيات الخاصة عصفت بمشروع المياه الجديد الذي أنشئ عام 2004م على نفقة المجلس المحلي كما أفاد الأخ/ جيوب الجبلي وان الخزان والبير جاهزين ولم يتبق سوى التشغيل ويتساءل أبناء دير الجبالية هل سيشربون منه مياه نقية ويرحمون الحمير من جلب المياه من أماكن بعيدة، أم ان المزاجية تعصف به هو الأخر كما عصفت بكل أمل ساعد على استمراره؟!
وعلى ما يبدو ان المجلس المحلي بالمرواعة مازال ضعيفاً وغير قادر على إيجاد طريقة مثلى لفرض وجوده لاعتقاده ان مهمته تنتهي بمجرد حفر البئر وإنزال المشروع وهذا تصرف خاطئ وتهرب واضح من المسئولية يؤدي إلى خسائر ضخمة ومحققة من خزينة الدولة، وما لا ينبغي نسيانه إلى أن مشروع المياه يعمل بصورة متقطعة ومتهالكة كان أخر انقطاع له حتى الآن الذي ما يزال خارج الخدمة، مما أدى إلى إرهاق الناس بالذهاب إلى أماكن بعيدة لجلب المياه  وتوفيره.

كهرباء لتوليد الفوانيس


في منطقة دير الجبالية تشعر وكأنك خارج نطاق التغطية باستمرار لسبب بسيط وهو غياب التيار الكهربائي في هذه المنطقة التي لا تمتلك سوى مولد كهربائي يعمل في اليوم خمس ساعات وأحياناً أربع ساعات ولكن الفوانيس هي الأكثر حضوراً وتواجداً هناك، وأثناء ذهابي لصلاة المغرب وجدت امرأة تجاوز عمرها الخمسين عاماً تجلس وأمامها دبة صفراء فاقع لونها مليئة بالكيروسين "الجاز" مادة تستخدم لإنارة الفوانيس تبيع على أبناء الجبالية والكل يتسابق غليها.. حينها فكرت بان يستثمر واحد بفتح  ورشة إصلاح وصيانة الفوانيس.. أخر موديلات الفوانيس كما أفادني عاقل الجبالية علي بخيت سليمان المشهور "حوتة" الكل يشكو منه نتيجة الممارسات والجباية التي يفرضها على أبنائها، وعد أحدهم بأنه سوف يقنع أبيه في بيع محصول (العجور) ولكن فشل وأصبح هو خارج التغطية كما هو حال جواله الذي يعاني من وحشة الصمت  وظلمة الليل.

أطباء في المنازل


وثمة سؤال يراودني في رحلتي أيهما أفضل رائحة الفل أم رائحة البارود؟! لأنه كلما اشتاق لأحد أصدقائي أذهب واشتري له عقداً من الفل.. ولكن هذه المرة كان صديقي إسماعيل برفقتي إلى دير الجبالية وكان يسكب عرقاً له رائحة تتطور أكثر فأكثر.. والحمد لله كانت رائحة الفل تخرج من شنطتي التي أحملها.. ولكن ماذا عن الصحة؟!
لا يوجد خدمة تقدم علي الإطلاق،هناك بعض الأخوة حملة الدبلوم من الصحيين يطوفون المنازل ويقدموا خدمات صحية كما يقولون، رغم ان أضرارهم أكثر وأخطائهم فادحة.. فمن ملائكة للرحمة إلى جزارون يذبحون الأجساد البشرية بلا رحمة ولا يحزنون.. الكل يشكو من عملية ابتزازهم الدائم ولكن لمن يشكو؟!
بينما أبناء دير الجبالية الدارسين في المجال الصحي يقفون صامتين يتابعون ويشاهدون تلك الصور المأساوية الابتزازية التي يمارسها القادمون من المدينة على دراجاتهم النارية ويبقى الفقر والجوع يحاصر أهلهلا ويرحل خيرة أبنائها عنها.

عبودية باسم الجمهورية


رغم كآبة الفقر والجوع اللذان يسترسلان بآهاتهما في دير الجبالية إلا أن هناك ابتسامات دافئة تدفقت من فتيات ذات عيون سوداء ووجوه شاحبة سمراء.. جمال خلاب واستبداد قبيح تشاركها كهولة هدها العجز، وأدمى قلبها عدم رؤيتها للجمهورية إلا من خلال نفوذ يشترك في بشاعته مع عهود الملكية البائدة في استعباد الناس وإذلالهم بصورة لا تشبه الحديث عن الجمهورية والديمقراطية والمجالس المحلية تفاصيل كثيرة تعكس حالة الغياب التام للدولة عن الريف الذي تحول فيه المتنفذون إلى مصدر للرعب والخوف باسم الدولة وحزب الرئيس ومدير الأمن في إساءة فاضحة للثورة والجمهورية والوحدة حتى صار أبناء الريف لا يفرقون بين الماضي  والحاضر.

منابر مدفوعة الأجر


حتى بيوت الله لم تسلم هناك من الأذى.. ذلك مسجد دير الجبالية الذي أنشئ عام 1356هـ رغم عمره الزمني الضارب في عمق التاريخ يعاني من إهمال واضح وعلى وشك السقوط على رؤوس المصلين لا قدر الله.. حتى انه عيش في صراع ديني من أجل الإمامة ونترك الأخ برة صغير برة يحدثنا عن ذلك الصراع بالقول:
المسجد تولى أمامته المرحوم عمر علي مستور حيث درس في زبيد، ثم تولى الإمامة بعد وفاته عباد أمحمد علي.. مازال على قيد الحياة كان إمام وخطيب المسجد وحين ضعف نظره وأصيب بالعمى قبل 5 سنوات، في وجود الشيخ علي إبراهيم قحري لم يقم الشيخ علي إبراهيم قحري بمواصلة جهده للمسجد كإمام بل بقيت الإمامة بينه وبيني وصغير علي سالم بهدور وظلينا الثلاثة في الإمامة والخطابة.
وما يلفت الانتباه هي تلك العصيان الواقفة بجدار المسجد تزيد عن 15 عصا اشبه بالبنادق العسكرية حين يضعها الجنود ويدخلون للصلاة.. دير الجبالية.. دهشة لا تخلو من الحزن.. وتعاني صراع الألم وآهات الندم.. ووضعها الكالح وظروفها البائسة التي تخضع الأهالي لأقسى امتحان.. خدمات أكثر إنسانية.. ووضع أفضل، هي مطالب أبناء ديرة الجبالية.. زيارة واحدة تكفي ليتأكد المرء كيف يمشي الموت بطيئاً نحو الناس المكلومين بالفقر والجوع.. كذلك يمشي البؤس في عيون الناس وأشكالهم.


ارسل هذا الخبر
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS


التعليقات:

الاسم:
التعليق:

اكتب كود التأكيد:




جميع حقوق النشر محفوظة 2007-2012 لـ(اليمن الجديد)