
اليمن الجديد/ بقلم:يحيى محمد الربيعي
فيما الوطن يكرس جهوده لمجابهة تداعيات وآثار كارثة السيول المدمرة وما ألحقته من أضرار فادحة بالأرواح والممتلكات في محافظتي حضرموت والمهرة.. والعالم من حوله يتأمل الدلالات التي ترتسم جلياً بملامح التآزر والتلاحم الذي يبديه اليمنيون وهم يتوافدون من كل حد وصوب نحو محاصرة تداعيات الكارثة.. معاً يداً بيد في مشهد تداعٍ حميمي لأعضاء الجسد اليمني الواحد والروح الإنسانية التي تعكس قيم التلاحم والتكافل الاجتماعي الراسخة في وجدان كل اليمنيين وتعبر عن الأساسات الحضارية واللبنات الدينية والإنسانية التي ينبني عليها ومنها البيت اليمني الكبير.. لا تزال الأجواء الضبابية تخيم على (أدغال) اللقاء المشترك والمناطق الصحفية المتاخمة لها.. جاء ذلك النبأ في سياق ما نشرته مؤخراً رؤية الهيئة العليا للقاء المشترك التي أكدت أن حالة إنعدام الرؤية لدى قياداتها قد وصلت حد الصرخة: «ما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة توطين الأمل في النفوس المحتقنة، وزراعة الثقة في القلوب المحبطة للحفاظ على ما تبقى من مشروعنا الوطني الديمقراطي الكبير، الذي طالما حلم به اليمنيون جميعاً، وناضلوا من أجله طويلاً وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيله». ليس جديداً على هذه المناطق حدوث مثل هذه التغيرات في الأحوال المناخية، فقد سبقتها- ومنذ فترة طويلة- تغيرات لعمليتي الشعور والإحساس بالإنقراض والإندثار.. حيث أتذكر أن أميناً عاماً لأحد تلك الأحزاب كان قد أفصح عن هذه الحقيقة الجيولوجية التي تعيشها المعارضة اليمنية من الداخل مبيناً- وعلى هامش المؤتمر القومي العربي المنعقد مؤخراً في صنعاء- رأيه في العقل العربي قائلاً: «إن النخبة السياسية صارت في حقيقة الأمر اشبه بديناصورات انقرضت منذ زمن بعيد وأكل عليها الدهر وشرب.. مؤكداً أن لا فائدة ترجى من ورائها.. وأن من يأملون الخير في هذه النخبة إنما يوهمون أنفسهم.. مشيراً إلى أن المتاح الوحيد أمام هذه الأمة هو البحث عن خيارات أخرى». صحيح أن الكثير من منظري السياسة يؤكدون أن المعارضة تمثل الوجه الآخر للسلطة.. ويعللون ذلك بأن المعارضة هي المرآة التي تستطيع من خلالها السلطة أن ترى التقييم الصحيح لحجم ما أنجزته أو أخفقت فيه، وهو مفهوم أشار إليه القيادي المؤتمري د. علي العثربي في مداخلته على أعمال ندوة «الأزمة اليمنية.. أسبابها وتجلياتها وتأثيرها على التطور السياسي» التي عقدتها إحدى الصحف الأهلية نهاية اكتوبر الماضي.. كما أن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد ذلك بقوله: «المؤمن مرآة أخيه».. وعلى هذا فإن معارضة السلطة فكراً يقتضي أن يكون فعلاً مشفوعاً بقدر عالٍ من المسؤولية في عكس الصورة الحقيقية لواقع الأداء الوظيفي للسلطة سلباً وايجاباً شريطة أن لا يخالط ذلك الفعل شيء من الابتزاز والانتهازية حال الشراكة الربحية أو التشكيك والتشويه حال الخروج، كما يقال، من المولد بلا حمص.. لأن صوت الحق لا يكون مسموعاً ومهاباً إلاَّ عندما يكون صوتاً نقياً من شوائب التمصلح به إلى غاية باطلة. لكن ما يبدو عليه المشهد أن الأمر ليس كذلك، على الأخص في الحالة اليمنية، حيث أعلن الدكتور عيدروس النقيب في مداخلته في الندوة آنفة الذكر بقوله: «نحن نعلنها أمام الملأ أننا لن نكون ولا نتمنى أن نكون وجهاً آخر للسلطة.. عندما يقال إن المعارضة شريك في السلطة يراد أن يقال إنها شريك في كل ما تفعله، ونحن لن نكون كذلك.. إذا ما انتقلنا إلى السلطة ارجو من المؤتمر ألا يحلموا بأنهم سيكونون وجهاً آخر لنا.. المعارضة والسلطة طرفا نقيض وهما ليسا أعداء في متارس، ولكنهم مشاريع متنافسة ومتباينة في الرؤية تجاه الوطن وفي الرؤية تجاه مصلحة الوطن، ولذلك هذا مفهوم مغشوش يراد به مغالطة المواطن كي يتحامل على المعارضة مثلما يتحامل مع السلطة». هذا ما أعلن عنه ضالع في السياسة اليمنية هو رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي اليمني.. كما أضاف القيادي الإصلاحي عبده سالم «أنه لابد للمعارضة أن تحصل على مشروعية موازية من مشروعية السلطة» منوهاً إلى أن ذلك ما يناضل من أجله المشترك. في مقام كهذا أرى من الضرورة بمكان التنبيه إلى أن الخطين المتوازيين لايلتقيان أبدا.. كما أجدها فرصة لطرح تساؤل مفتوح مفاده: هل أدرك القارئ، ومن خلال ما طرح آنفاً، مدى التناقض المريب الذي تعيشه قيادات المشترك من الداخل وكذلك هو حالها مع الخارج الذي تراهن على مساندته ومؤازرته لها في ما تسميه بـ«النضال السلمي من أجل التغيير»؟!. فالمعارضة وهي تعلم علم اليقين بأن أدبيات المنهج الديمقراطي، سواء ما هو معمول به على المستوى المحلي أو ما تأتي به الأجندات الخارجية تشدد على ضرورة حتمية وهي التزام الأحزاب المتنافسة بقاعدة أساسية مفادها: «أن مطالب الجماهير تمثل ماء الأحزاب وخبزها وفي هذا المضمار الأحزاب قد تختلف في ما بينها حول السياسات ولكن يفترض أن تتفق على وحدة الوطن وسلامته وتضامنه السياسي باعتبارها القواعد الاساسية للعبة السياسية الديمقراطية لأن الأحزاب حين تضعف وطنها أو تضامنها فإنها تضعف نفسها وتهدد وجودها».. تصر على المضي في متاهات ذات بدايات لا نهاية لها غير آبهة في ذلك بما تجره عليها من خسائر متتالية، ولا متعظة بما يجرى حولها من ممارسات حقيقية للتنافس الخلاق، ولكم في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وكلمة جون ماكين عبرة «إن كنتم للرؤيا تعبرون». إن ما تمارسه أحزاب المعارضة اليمنية من تصرفات خاطئة حيث اقدمت على اختزال الوظائف والمهام، المتعارف عليها في النظم السياسية الديمقراطية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في غالبية انشطتها في الوظيفة السياسية فيما تختزل تلك الوظيفة في وظيفة تعبوية تتقمص خلالها اخلاقيات النقد الهدام بغية النكاية السياسية بالآخر أقرب منها إلى امتثال المصداقية والفاعلية كركيزتين أساسيتين لاخلاقيات النقد البناء. لهذا يحكم على كل ما يجري بينها وبين السلطة من حوارات بـ«حوار الطرشان» لخلوها من المصداقية وفقدانها للثقة وإفتقارها إلى الالتزام والوفاء بما يفسر عنها من الاتفاقات التي غالباً ما تقف محاولة الأحزاب فرض دمقرطة التقاسم وتبادل الأدوار وفق مفاهيم شمولية حجرة عثرة تحجبها عن رؤية النور، لاسيما وأن الأخوة في المعارضة دائماً ما يتباهون بمنهجية التناوب القيادي على الهيئة العليا للقاء المشترك وكأنها نموذج ممقرط يختزل في طياته الشراكة الوطنية عنها في الأنظمة الديمقراطية.. لا أدري.. أجهل هذا أم استخفاف أم إشارة، غير معلنة، إلى التمرد على الاحتكام إلى نتائج الصندوق كوسيلة حضارية ووحيدة للتبادل السلمي للسلطة أم انقلاب مبطن على جوهر الممارسة الصحيحة للنهج الديمقراطي القائم على حكم الشعب نفسه بنفسه؟!. ذلك أن الشراكة الوطنية هي المفهوم الحقيقي لمقتضى المواطنة المتساوية التي تعني منح المواطن أياً كان جنسه أو لونه أو مهنته أو مكانته الاجتماعية قيمة عددية متساوية حال المشاركة في صناعة القرار.. سواء كان ناخباً من خلال منحه حرية اختيار ممثليه في الانتخابات البرلمانية والمحلية والرئاسية بواسطة الاقتراع السري والمباشر.. أو كان ممثلاً منتخباً من خلال إتاحة الفرصة أمامه لإثبات قدراته في تحمل الأمانة وتجسيد الثقة التي منحه إياها الناخب.. وبما أن الديمقراطية لا يمكن أن تنتج إلاَّ ديمقراطية وأن الإلتفات بأدواتها وآلياتها ووسائلها لأغراض تأصيل الشمولية قصد فاسد.. فسيكون ما عدا هذه الحقيقة مجرد محاولات يائسة لتوليد العنزة فيلاً أو حصاد العنب من مزرعة الحنطة.. و«الله لايصلح عمل المفسدين».. حسبنا في هذا السياق أن نتطرق إلى ما قاله محمد الصبري القيادي الناصري وفي ذات الندوة: «إن الذي يقول إن السياسة بلا أخلاق كلام غير صحيح.. فالسياسة أخلاقها كأخلاق الطب.. لذا فإن مسؤولية السياسيين القياديين سواء في المشترك أو في السلطة لا تختلف عن مسؤولية الأطباء عندما يشخصون أعراض المشكلة ويصفون لها العلاج، فإمَّا إن يصيبوا في التشخيص والعلاج، وإمَّا أن يخفقوا فيقتلوا المريض»..لا أعتقد أن يختلف اثنان مع الصبري في هذه المقارنة الصحية.. لكن يقال في الأثر: «يا متصدق بالمرق أهل بيتك أحق».. ناهيك عن حقيقة مفادها: «أن العاشق الكذاب دائماً يفرح بالتهم».. علماً بأن فاقد الشيء لا يعطيه فالذي لايؤمن بالديمقراطية داخل كياناته الخماسية لايمكن له أن يكون ديمقراطياً ضمن عناصر البناء الوطني. الجواب النهائي في حال كهذه بالتأكيد لن يكون أكثر من أن اليمن وجدت لتبقى وتنتصر لوحدتها ولنهجها الديمقراطي الذي ارتضاه أبناؤها طريقاً سوياً لبنائها.. وعليه فاليمنيون الذين تآزروا والتحموا في صعيد واحد لمواجهة تداعيات كارثة السيول لاشك قادرون على الوقوف صفاً واحداً في معركة التصدي لطوفان تدمير الذات الذي تسعى قوى متربصة ومتعددة الأغراض إلى الزج بأبنائه إلى رحى طواحينه. Yrabaei@gmail.com