اليمن الجديد/كتب:موسى النمراني
بينما كانت تستعرض ما يتهدد جهدها من تلف ومصير أسود أجهشت أروى عثمان بالبكاء كما لو أنها أدركت أخيرا أنها سلكت الطريق الخطأ .. بدأت أروى عثمان حياتها مشغوفة بجمع التراث الشفهي اليمني من قصص وحكايات وأغاني وعادات وتقاليد والملابس وكانت تصرف ما تحصل عليه من مصروف المدرسة في جمع هوايتها المفضلة من المقتنيات التراثية لمختلف مناطق اليمن الزاخرة بما أبدعه الإنسان اليمني من طرق سخر فيها كل ما تنتجه الطبيعة لخدمته كمادة خام أو حتى إعادة إنتاجه من مواد لا تخطر على بال وخطر على بال أروى أنه ليس من العدل أن يضيع تراث الإنسان اليمني مع التغيرات الحضارية التي تغير المدينة وتسطو على جمال وجه الريف الذي كان من الأحجار القديمة والطين والقش فأصبح من حجارة قاسية تنتجها آلات لا علاقة لها بتراث الإنسان هنا وضلت بإمكاناتها الضعيفة تحفر في صخور التراث الشهي ويطرحها سفر ليحملها آخر وهي تعتصر التراث من أفواه العجائز قبل أن يطمس موتهن معالم الحياة بالأمس وتنطمس معها علاقتنا بماضينا.
بمرارة كانت أروى تطوف بنا أجنحة بيت الموروث الشعبي أو بالأصح غرفه الضيقة في بيت غير مناسب من بيوت صنعاء القديمة يخيل إليك من ضيقه أن غرفه متراكمة فوق بعضها .. كل شيء ليس كما يرام بالمقارنة مع الحلم أو مع الاستحقاق .. عندما بدأت أروى مشروعها عام 2004م كانت طموحة إلى حد الغباء "أعترف أنني كنت غبية لأني كنت أتخيل أن الفكرة ستجد من يحتضنها ولن نلبث أن يتحول بيت الموروث إلى بيت حقيقي واسع" كانت تعد في ذهنها خارطة لكل التفاصيل للأضواء المسلطة على القطع الأثرية والأصوات المصاحبة للزائر إما موسيقى أو شرح وافي للقطعة المجاورة وكنترول التحكم بالزوايا .. هكذا يجب أن نعرض تراثنا تتخيل أروى، مع أنها فشلت قبل وقت قصير في الحصول على غرفة واحدة في أحد المراكز البحثية الرسمية كانت تود أن تكون هي حجر الأساس لمشروعها القومي.
اكتشفت أروى أنها غامرت بالنهوض لوحدها بهذا المشروع القومي بإمكاناتها الشخصية لكن اكتشافها تأخر خمس سنوات منذ أن حشرت حلمها الكبير في منزل صغير لا يكفي لمقتنيات أسرة فضلا عن ذاكرة بلد ، وبدا المكان أكثر ضيقا مع أول وفد سياح يزور المكان بعد مهرجان المدرهة الأول، ثم أصبح أكثر سوءا بعد أن بدأت الفئران هي الأخرى بالتوافد على المكان والفئران هي التي قضت على سد مأرب مدمرة معالم حضارة بنيت لآلاف السنين كانت قد بدأت بتدمير ما جمعته أروى عثمان من تراث اليمن ومن ما لديها من كتب ومقتنيات لم تجمعها بسهولة .

في منطقة القاع بصنعاء القديمة وخلف سوق اللحم والدجاج يقع بيت الموروث الشعبي وبجواره منزل مهجور منذ أربعين سنة تقول لي إحدى العجائز اللواتي يبعن الدجاج في المكان ن البيت مهجور بسبب خلاف بين الورثة "اختلفوا على نصيب المكالف يا ولدي ورجعوا احرموه" أحرموه بمعنى أضاعوه وهو ما يتضح جليا فقد تركوه معسكرا للفئران تنطلق منه إلى البيوت المجاورة وتجد تغذية آمنه بجوار المسلخ الذي تنبعث منه روائح كريهة طوال الوقت وإلى الأمام من بيت الموروث تجد كوما من القمامة لا يصل إليه عمال البلدية بانتظام، ويؤذي المواطنين والسياح على الدوام.
تقول أروى عثمان .. جمعت هذا البيت من عصارة عمري ولا أستطيع اليوم أن أواصل .. لقد وصلت إلى نهاية المشوار كان معي خمسة ألف دولار جائزة وبعت قطعة أرض كنت أملكها وعملت جهدي لما وصلت إلى هذا الوقت مافيش معي حاجة .. لا تراهن أروى على أحزاب ولا على سياسة ولا على علاقات شخصية باءت بالفشل وتعتقد أن على المثقف أن يوازي بين جميع الجبهات بما يخدم الثقافة أولا وأخيرا لكن كل الجبهات خذلت أروى بما فيها أمانة العاصمة التي قطعت مائة وخمسين دولار كانت تصرفها كراتب لموظفة في البيت بأمر من أمينها السابق الدكتور يحيى الشعيبي وانقطعت منذ وصول الأستاذ عبد الرحمن الأكوع كما انقطع أملها عن الأستاذ عبد العزيز عبد الغني الذي وعدها بتقديم العون عندما قام بافتتاح البيت ومع عبد الغني فقدت أروى الثقة بكل رجال الأعمال الذين كانوا حوله ولم يبخلوا بتقديم الوعود وإبداء الحماس وحزنها شديد بعد أن تراجعت السفارة اليابانية عن تقديم منحة للتوثيق تقدر بأكثر من تسعين ألف دولار حيث تراجعوا عنها بعد أن قدروا أن المكان غير مناسب للأجهزة وهو فعلا غير مناسب حتى للمداره التي أحيت بها مهرجان المدرهة عام 2005م ودب اليأس إلى قلبها بعد سلسلة طويلة من الخيبات وأصبحت تؤمن أن " زمن المهمة المستحيلة يوشك على النفاذ وإن الزمن الذي يفصلنا عن اليوم الذي سنضطر فيه إلى إغلاق بيت الموروث الشعبي قد انكمش إلى أقل من رمشة عين قد لا يصل مداها إلى آخر هذا العام " لم يعد بإمكاني أن أتحمل أكثر وفي حال لم أجد مكانا مناسبا توفره الدولة فسأضطر إلى استئجار دكان بخمسة الف ريال وأكوم فيه كل هذه المقتنيات .. وهنا تدمع عيناها .. ليس الأمر سهلا فعملية مثل هذه تشبه عند أروى أن تقوم بدفن ابنتها .. كلاهما يمثلان بالنسبة لأروى المستقبل ولا فرق بينهما في عيني أروى التي لا تفرق بين أبنائها .
وجدت أروى تعاطفا من رحمة حجيرة رئيسة منتدى الإعلاميات التي سخرت إمكانات المنتدى لصالحها وبدأت مع فريق المنتدى بتدشين أول مؤتمر صحفي لعرض المشكلة التي يعاني منها البيت مع وعد باستمرار الحشد الإعلامي حتى الحصول على حل مناسب كما تلقت وعدا من الدكتور عبد الباري دغيش بالعمل على مساعدتها بوجاهته وكل ما يستطيع كما تلقت وعودا بعرض قضيتها على رئيس الجمهورية مباشرة .. ومع كل ذلك لا تزال الفئران تدمر ما جمعته أروى طوال ثلاثين عاما .