نهاد الغادري -
بالرغم من أن حركة الحوثيين في اليمن ليست جديدة فقد فاجأ الغطاء والدعم الإيراني لها، العلني سياسياً وإعلامياً، والسري عسكرياً ومالياً ومتطوعين، فاجأ المنطقة العربية وفي ظننا أن بعض القوى الكبرى أو في المنطقة لم يكن بعيداً عما حدث.
ليست حركة الحوثيين جديدة ولا مجهولة لمن تابع تاريخ اليمن وأحداثها. الجديد فيها هو توقيت انفجارها وأبعاده وذلك الدعم الإيراني المكشوف مادياً وعسكرياً إضافة لمتطوعين تغذيهم طهران ويقاتلون في صفوفها لأغراض أخرى لا تتصل بموضوع الحوثيين في اليمن وخلافهم مع السلطة بل بمجمل الصراع الإقليمي وأهدافه الإيرانية. فالحوثيون هنا إذن مجرد أداة.
وقد كشفت تقارير ودراسات مراكز البحث والتقصي من واشنطن وباريس وبروكسيل أن هدف طهران من دعم حركة الحوثيين إضافة لوضع يدها على الممكن من شرائح الطائفة الشيعية وتنظيماتها هو التسلل إلى البحر الأحمر واحتلال جزيرة »حنيش« بموقعها الاستراتيجي الخاص وما يمنحه احتلال هذه الجزيرة المرتفعة جغرافياً لطهران الفارسية من ورقة جديدة تفاوض عليها وتوظفه في دور الهيمنة الإقليمي الذي تتطلع إليه.
تقع جزيرة حنيش في المياه الإقليمية ما بين اليمن وإريتريا وقد سبق لإريتريا أن احتلتها ما بين أعوام 1995 و1998 ثم استرجعها اليمن بالتحكيم الدولي. وتعتبر جزيرة حنيش موقعاً يمنح الدولة التي تضع عليه يدها حضوراً استراتيجياً مميزاً يتحكم في البحر الأحمر بشاطئه السعودي ومن مدخله عند مضيق باب المندب بقناة السويس والمنابع الجنوبية لنهر النيل. أي إن التحكم به يهدد أمنيْ السعودية ومصر معاً ويتمم هلال إيران الشيعي الذي تتطلع عبره لحكم المنطقة أو فرض هيمنتها على مخانقها الجغرافية والمساومة عليها في علاقاتها بالغرب.
تقول تقارير مراكز الدراسات العسكرية في واشنطن وحلف الأطلسي إن طهران أنفقت حتى اليوم عبر حرسها الثوري ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار لدعم الحوثيين والتغلغل في اليمن انطلاقاً من أريتريا فالتمدد من اليمن إلى المملكة العربية السعودية، إضافة لمُسْتَجْلَبين من شيعة العرب ثبتت مشاركتهم في هذه الحرب بأبعادها الإقليمية ونُقلت جثامينهم لتدفن سراً في بلادهم ومن بينها لبنان.
ليس الحوثيون هم الموضوع سواء بتاريخهم وصراعهم مع السلطة اليمنية أم بالحق أو الباطل في هذا الصراع. الموضوع هو ذلك الدور الإيراني المشبوه والمكشوف في حرب عبثية تحشّ لها طهران وتمدها بكل أسباب الانتشار والاتساع والتمدد لتحقيق أغراض لا تتصل بالحوثيين وقضيتهم، ونفترض هنا أن لهم قضية وأن خلافهم مع نظام وطنهم مشروع داخل حدودهم أو أن له جانباً من الصحة والصواب وجوانب من الخطأ.
إلى ما قبل موضوع الحوثيين وتمردهم العسكري كان نظام طهران يوظف قضية فلسطين ويعتبرها مدخلاً لدوره ونفوذه الإقليميين تحت عنوانها الإسلامي. وقد شكل »حزب الله« و»حماس« اختراقاً إيرانياً غير مسبوق لأمن لبنان وفلسطين ونجحت طهران في نشر ردائها الشيعي بثقافته الفارسية والتسلل من خلال قضية فلسطين إلى الداخل العربي واختراق أمن العرب القومي، أو ما تبقى منه. كان صعباً إلى حد كبير الفرز ما بين الستار والوهم والأكاذيب وبين القضية. فموضوع فلسطين يظل موضوعاً عربياً أولاً وثانياً وقضية إسلامية ثالثاً. هكذا جعلها فيصل بن عبد العزيز يوم واجه حرب اليمن في أعقاب سقوط الوحدة وقد اجتاحته تحت عنوان فلسطين أيضاً وكانت السعودية والمصالح النفطية هي الهدف.
غير أن قضية اليمن اليوم والحوثيين مختلفة. ففلسطين التي يرفع نظام الولي الفقيه شعار تحريرها وإعادة اليهود إلى مواطنهم الأولى ليست سوى مدخل إيران لدور مُنعت فيه ثورتُها من الإمساك بأمن المنطقة ونفطها والمساومة عليه بحضور إقليمي تطمح إليه منذ قرون وهي تعتقد أنها تمتلك، ببعض من تستلحقهم من مضلَّلي الشيعة اليوم، عظيم موارد نفط المنطقة ومعها حق وشرعية حضورها الجيو - سياسي وهيمنته ببعد محض قومي وفارسي.!
تكشف إذن قضية اليمن والحوثيين الدور الإيراني الذي طالما خدع البعض برفعه شعار تحرير فلسطين. فاليمن ليس إسرائيل، والحوثيون ليسوا شعب فلسطين، والحدود السعودية اليمنية المخترقة ليست جنوبي لبنان ولا غزة. هنا يتعرّى نظام طهران الذي يساوم الغرب، بتهديد مصالحه، على دور يعتبره نظام الولي الفقيه حقه المشروع سواء بحكم التاريخ أم بحكم القوة. يحسن أن لا ننسى أن المذهب الذي تنشره طهران وشيعتها يوشك أن يغدو ديناً جديداً لا صلة له بالإسلام وهو الذي يمنح طهران هذا الدور.
إنها تستلحق بعض عناصر الشيعة العرب تغويهم وتغريهم وتمدهم بأسباب التمرد ثم تذهب تساوم عليهم بدور إقليمي تتطلع له وتعتبره حقها القومي والمذهبي. لعبة قديمة - جديدة أتقنتها فارس مذ فتحها الإسلام لعهد عمر بن الخطاب فقتله فارسي مجوسي يقيمون له قبراً يحجون إليه في بلادهم تمجيداً لجريمته، وتستيقظ في إيران اليوم بنظام الولي الفقيه ونجاده أهدافها وأحقادها التاريخية في مواجهة العرب والإسلام.
أين هي فلسطين وحق شعبها ومواجهة عدوان إسرائيل في موضوع الحوثيين من كل هذا وفي كل هذا..؟
سؤال جوابه الصمت أو ما قاله سفير إيران في صنعاء محمود حسن زاده: »إن إيران تنطلق من التاريخ ومعرفة الجغرافيا وفقاً لمصالحها الأمنية والاقتصادية وليس وفق رؤية قاصرة لما يدور في صعدة مثلاً«. أصبح الموضوع إيرانياً قومياً إذن من دون أحلام أو أوهام دينية أو مذهبية. لم يعد ممكناً تغطية الحقيقة بالضجيج ولا الهرب من البحث عن الدور الإقليمي المنشود إلى القضية الغارقة بالأمس في صراع أبنائها وتغرق اليوم في صراع مسلميها، من عرب وعجم، صادقين وكذبة.
أخيراً، تحية عربية للملك عبدالله بن عبد العزيز والجيش السعودي الذي دافع عن ثغر الإسلام الأوّل وأرض العرب الأولى في مواجهة فارس والشعوبية الجديدة. إنها أرض الإسلام هناك تستعيد دورها ومركزيتها وقدراتها لعهدها الأول ورجالها الأوائل.
*نقلا عن المحرر العربي