اليمن الجديد- البيان -
بعد قلق بصري استمر لدقائق، اخترق صوت المذيعة حاجز الموسيقى بماكياج وملابس خارج الزمان والمكان، مرحبة بالمشاهدين بجملة ملت تكرارها ولهجة عرجاء، أشرطة الأرقام تزدحم على سطح الشاشة، ما هو ثابت وما يتحرك، وشعار القناة بالكاد يُرى. يبدو التفاعل سمةً واضحة في تلك القناة، التي جنّدت مذيعتها على مدار ساعات لطرح لغز اليوم، والتمايل على أنغام الأغنيات الهابطة.
لغز الحلقة لا يكف عن الوميض على طرف الشاشة «مدينة خضراء .. أرضها حمراء سكانها سود .. ومفتاحها حديد».. وأخيراً تمكن أحدهم من التقاط طرف الخط للإجابة على السؤال، «الفراولة»، لا.. للأسف جوابك غلط .. حظ أوفر في المرات الجايه، وحاول مرة أخرى، علشان تكسب 97000 يورو، المتصل الآخر استنفد الوقت كاملاً ليجيب في نهاية الأمر بأنه «الرمان»، ومخطئ ثالث يقول «النار»، وتستمر دعوات المذيعة للمزيد من التواصل مع المشاهدين في أقطار الوطن العربي، للإجابة على لغز الحلقة الذي جعل قيمة الجائزة تتراكم، بينما المتصلون يتناوبون على السماعة، مرة من تونس ومرة أخرى من القاهرة، وثالثة من سوريا، ورابعة من اليمن .
لن يستغرق الأمر أكثر من دقائق حتى يتعرف المشاهد على حجم النصب الذي يمارسه أصحاب قنوات الدردشة، ممن لم يتركوا رقماً محلياً ولا دولياً إلا وتم عرضه على الشاشة بهدف الكسب المادي ، لتوسيع شريحة ضحايا تلك التمثيلية المحاكة بسخافة. الطاقات الشابة التي تعمل أمام الشاشة، وخلفها، ومن تم تضليلهم لخوض تجربة الاتصال والإجابة، هم ضحايا كما هم المشاهدون تماماً، في وطن عربي تفتك به البطالة، ويلجأ شبابه لطرق الكسب السحري، مبررين أنها في نهاية الأمر وظيفة، في زمن شحت فيه الوظائف.
تلك القناة، نموذج لشريحة واسعة من القنوات الفضائية، يمكن التقاطها بسهولة الضغط على أزرار جهاز التحكم، تفرد مساحات واسعة من الهواء لألغاز تسخّف من عقلية المشاهد، وصفات لحياة زوجية مثلى.. أغنيات وإهداءات، أو أحاديث تعزف على أوتار القبلية، أو تروج لعلاقات يلجأ أصحابها إلى أسماء مستعارة، قد تكون محاكة من قبل أصحاب القنوات للمزيد من التضليل، وجذب النشء نحو دوامة هدر الوقت والمال.
أبطال تلك الحكايات، هم من يعملون في غرف التحكم بقنوات الدردشة، «الكونترول»، من يمررون تلك المكالمات المفبركة، ويسمحون بتداول أرقام الهواتف على أشرطة الدردشة، لينتقل الحديث من سطح الشاشة إلى أسلاك الهاتف، بصرف النظر عن صدق ما يتم تداوله على الشاشة، إلا أنه فعل تحريضي ودافع نحو الولوج إلى ذلك المجتمع التفاعلي، ورصد تفاصيله والوقوف على أحداثه، لمن يتابعون تلك القنوات من النشء والمراهقين.
تلك التفاصيل يرويها أحد الشباب ممن عملوا في إحدى قنوات الشعر الشعبي، يؤكد بعد خروجه من تلك التجربة، أن الكثير من تفاصيلها محبوكة بإتقان، فأسماء «المدردشون» وهمية، بنسبة كبيرة تتجاوز النصف، يتم اختيارها لتلقى رواجاً لدى المشاهدين بكافة اهتماماتهم، وتحصد المزيد من التفاعل والكسب المادي.
بحيث يتجاوز سعر الرسالة الواحدة 7 دراهم، يضاعفها إدمان المشاهدين على مجتمع يتحكم بأحداثه من يعيشون في غرفة «الكونترول»، ليجني أصحاب القنوات من وراء جيوب الشباب الملايين. وفي هذه الغرف، يتم تدوير دفة الحديث باتجاه الأحداث الأكثر أهمية على الساحة، مثل كرة القدم، أو برامج تلفزيون الواقع، مع استثارة مشاعر المشاهدين بأسماء القبائل أو الانتماءات.
حجم التخبط الذي يعيشه الإعلام العربي، تحكمه رؤوس أموال دخيلة، مسؤولة بالتأكيد عن انزلاق الشباب في دوامة الفراغ، الذي أودى بطموحاتهم وضاعف من تناقضاتهم، فكيف بمن لا يجد وظيفة يُنفق تلك الأموال بالغرق في مجتمعات وهمية.
فكما قال المثل: «عندك تأكل.. لا ، عندك تغرم.. هيه).!
أمل الفلاسي
aalfalasi@albayan.ae