صحيفة البيان -
توجيه الأصابع إلى جهة دون أخرى. ومهما تبادلت الأطراف تقاذف الاتهامات، فإن غيمة المسؤولية في جانبها السياسي والتاريخي، تطال الجميع دون كثير تفريق، ما دام هذا التشظي أطاش العقول حتى تاهت الحكمة بين أزقة ضيقة، لا ترى في نهايتها غير الضباب والظلام الحالك.
والأشد إيلاماً في ما نرى ونسمع ونتابع، هذا التصاعد في اتجاه دعوات الانفصال التي بلغت مبلغاً حرجاً، خرج بها من التلميح إلى التصريح ومن خفيف الهمس إلى الصوت العالي، بدق متعمد لطبول التأجيج، كلّ حسب هواه المتحكم، وفي ظل واقع ينزف في أكثر من موقع ويلهث لسد فتوق الفتنة.
وفي ظل واقع يمارس فيه البعض لعبة رمي الشرر دون تمييز، لعله يحقق «غنيمة» ما بحرق وطن، في حين أن البعض ما زال يعيش أوهامه ويطبقها بمراهقة الصبية في غير أوانها، وهناك الكثير من الصمت الذي يصل حد الريبة، من قوى تراقب ولا تسعى لإطفاء الحرائق، ولا تبادر لمنع الصبية من عبثهم الهزيل.
المشهد في الشقيقة اليمن، إذا ما استمر على هذا المنوال من تقاذف للاتهامات وتواصل في المواجهات الميدانية، فإننا أمام زلزلة اسمها الانفصال. وعندما يتم الحديث عن هذا الهشيم، يتراءى للمتابع الغيور حجم الانتكاسة التي تصيب مفهوم الوحدة في الوجدان العام، سواء على المستوى المحلي الخاص لهذا الوطن، أو حتى على مستوى الوجدان العربي العام، الذي لا يمتلك في اللحظة الحرجة هذه غير جميل التمنيات وأحلام الهزيع الأخير في هذا الليل الطويل.
نعرف جميعاً أن الاستقرار المنشود في بلاد بلقيس وسد مأرب الكبير، ليس بالأمر السهل، وهو طريق طويل فيه مغالبة للأطماع وتجاوز للأنانيات، وصبر على تحمل جمر التنازلات، وبحث طويل في المنجيات من مهالك تتصدر الواجهة المتصدعة، سواء كانت فساداً يتطلب إصلاحاً ملحاً، أو تنمية لم يظهر لها أثر على حياة الناس، أو تطرفاً لا مناص من هزيمته، أو ثقة وطمأنينة إلى خيارات أثبت الزمن تهاويها عند أول لحظة اختبار.
الأمر جد صعب لا ريب في ذلك، لكن خيار الانفصال أشد مرارة وأضل سبيلا